لا تطـل الغياب يا سيـد
 

موفق محادين

د. موفق محادين / لا ميديا -
كيف نواتيك في يوم أو شهر أو عام، وأنت في ميقات البروج سيد الزمان، وفي تاريخ البرايا والعالمين جبّة في بردة النبي، وحدّ قاطع في سيف عليّ؟!
كيف نرثيك؟! ومن يواسي من؟! الحاضرون في الغياب، أم الغائب الحي؟! تشد على أيدينا، وتبعث العزم فينا: لا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون، فكيف تقنطون من رحمة الله وأنتم حزبه الغالبون؟!
كيف نلقاك في موكب أو مقام، وأنت معنا في كل مكان: في قهوة الصباح، وفي حقائب التلاميذ: دفاتر الحساب والإعراب، وحبة التفاح، وتحية العَلَم في الباحات، نسيج الأمهات في الليالي الحالكات...؟!
كيف نلقاك حيناً من الأحيان، وأنت فينا كل حين، في الأجمل من أيامنا، وفي الذي لم نكتبه بعد؟!
في العشب البرّي الطالع بين الشبابيك ودرج البيوت، من البازورية إلى بيروت، في جفنات العنب، وسلال الزيتون والتين، وأغمار الحصادين، في الطوابين والخبز الساخن من أصابع الأمهات إلى خنادق المقاتلين...؟!
تحت سماء البقاع نلقاك، مع قمر مشغرة، والعاصي الصاعد نحو الشمال، و"دراج" بعلبك، ودحر الإرهاب في التلال...
تحت سماء الجنوب نلقاك، من الخردلي ومارون الراس، إلى وادي الحجير، مقبرة الغزاة: فرنسا قبل قرن ويزيد، والميركافا في تموز المجيد...
مع طيور الجنة، فتيان آمنوا بربهم وزدناهم هدى، لم يعرفوا الألعاب صغاراً مع الأولاد كالمعتاد، اختاروا لعبة السلاح ضد لصوص الأرض والتاريخ، وساروا على دربك، درب الجنوب وفلسطين، ومضوا كما "شادي" و"حجل صنين"...
نلقاك ونسمعك في رنين السلاح ومطارق العمال ومناجل الفلاحين وشمس المتعبين... في مآذن الرحمن، والحمام السابح في الذكر الحكيم... في أجراس الكنائس، ونبي الله مسجى على الصليب يكتب بالدم وصاياه ضد أبناء الأفاعي اليهود، من ليس لديه سيف ليبع رداءه ويشتري واحدا...
لن نلح ونثقل عليك حول ما صرنا إليه وعليه، من أيامٍ وليالٍ أكثر سواداً من كحل البارود، وعلى ما نحن فيه يا سيد، لم يخامرنا الشك في غيابك، وما جاء في الكتاب من أمر إيابك: من "جفر" الإمام إلى "طواسين" الحلاج ضد الطغاة في بغداد، و"رؤى تتسع كلما ضاقت العبارات"...
تخرج بعد حين من الدهر مع المهدي وأبي عبد الله الحسين، من كل كربلاء وسرداب، يأتيك الناس من كل فج عميق، وقد عرفوا الحق من الباطل بعد لأْيٍ من الضغائن والأكاذيب، يمضون في ركابك، ويصلون في محرابك، ويُكبّرون باسم الله حتى يصيح الغردق والحجر: هذا يهودي ورائي، ووراؤه الروم ويهوذا و"ابن نفطويه"، فتقوم إليه وتأخذه من عاتقيه...
يا سيد، إذ نبثك شكوانا، وأنت شفيعنا يوم الحساب، فلأن كربتنا غلبت علينا وزاغت الأبصار حولنا، ولم نجد سواك، وما قلته مرات ومرات، عن المحن والسنوات العجاف والأيام الشداد والليل البهيم، يمر كغيره، يمر بالصبر والإيمان والثبات، وما ربك بظلّام للعبيد.
نبثك شكوانا ونحن في أسوأ حال، مذ غبت في ذلك اليوم من الشهر الأصفر البارد في أيلول، تتوالى الأخبار عن صفقات ودسائس لن تصدمك تماماً وأنت الذي كنت تقول إن شرقنا في مهب الريح على مدار التاريخ: ممرات وإيلافات وغزاة، حرب النفط والذهب والغاز، وبيوتات المال، وشركات الهند الشرقية، والمستعمرة اليهودية شرق السويس، وحكومة البورصات السرّيّة بين لندن وول ستريت، تطلق الدمى بكل الأشكال، تكفيرية وبرتقالية، وتعيد الحصار هنا وهناك، وترتب الرقعة والأدوار...
قاطعو رؤوس وإرهابيون نبتوا كالفطر الشيطاني من أقلام الاستخبارات الأطلسية والصهيونية، تارة مجاهدين في أفغانستان والعراق وسورية، وتارة حملان تتحدث عن السلام والإعمار، وتتصدر المؤتمرات واللقاءات ونشرات الأخبار...
برتقاليون وليبراليون مزعومون ينهشون لحم أخينا، حياً وميتاً، ويستقوون بالقاتل الصهيوني وثيرانه المجنحة، ويعلنون انتصارات مزيفة ومخزية، ويشكلون الحكومات ويرسمون الخرائط والسياسات، ويسممون الفضائيات بالكراهية الطائفية والأكاذيب، وكلام المتردية والنطيحة والموقوذة وما أُهِلَّ لغير الله به.
وفي التفاصيل مذ غبت في أيلول: الشام في أسوأ حال، العدو في كل مكان، على الحدود وفي ساحة الأمويين، حاخامات وموساد وكلام عن أملاك الغائبين، التتريك و"مرج دابق" باسم الإسلام من جديد، والماسونية تعود بعد ستين عاما ويزيد.
وفلسطين بين خيارين: البرد والجوع والموت، أو منافي الرمل في الجوار والأرخبيل البعيد في أقصى الكون.
أما وطنك الصغير، الذي صار ملء السمع والبصر في تموزك المجيد، وامتد واستطال من الفرات إلى النيل فالمغرب الكبير، عاد سيرته الأولى في غيابك: متصرفية أخرى ومندوباً سامياً جديداً.
وثمة ما هو أسوأ كل يوم، يمر الوقت على الناس طويلاً وثقيلاً، فلا تطل الغياب يا سيد المجاهدين والصابرين.
يفتقدك الشهداء والشرفاء والفقراء والحالمون، من المحيط إلى الخليج، وينتظرون يومك الثالث حين تقوم.

أترك تعليقاً

التعليقات