تغيير نظام الهيمنة الاستعمارية
 

روبير بشعلاني

روبير بشعلاني / لا ميديا -
ما يزال البعض يعلك بعض الأفكار «التقدمية» السابقة كما لو كانت حقائق ثابتة. وذهب البعض بتفكيره هذا إلى حد اتهامنا بالانقلاب على مواقفنا القديمة التي أشك أنه فهمها يوماً.
فمن أطروحة الكيان لم يدرك هؤلاء الإشكالية، بل بقوا في أطروحة التغيير الكيانية، واعتبروا «قرابتهم» ممثلة لكل أطياف المجتمع.
وعندما تنقلب القرابات الأخرى على قرابتهم بهدف تغيير الغلبة يعتبرون ذلك طائفياً يخضع لمؤامرة خارجية. الطائفية هي -إذن- الآخر، أما نحن فلسنا طبقة بعد؛ ولكننا لسنا قرابة روحية، فنحن نمثل الأطياف كلها.
كيف نجحنا في تمثيل كل الأطياف بدون تحولات اجتماعية تسمح بنشوء المواطن الفرد؟ لا أعرف؛ لكن الأعجوبة حصلت، والكيان نجح في بناء «دولة» راسخة لولا المؤامرة.
وهنا الطامة الكبرى، فالمؤامرة ليست في الكيان نفسه، بل في تأليب قرابة على أخرى. فهل المؤامرة خلقت القرابات، أم أن الاجتماع ذاته كان قرابياً وقام المستعمر بخلق الكيانات حتى يكرس هذا الاجتماع القرابي؟!
أصحاب هذا الفكر ينطلقون -إذن- من فرضية تظن أنها بالإرادوية تستطيع أن تتجاوز الاجتماع القرابي داخل كيان مصطنع، وذلك عبر حيلة شعرية خلقت دولاً مركزية ودولاً أخرى غير مركزية.
عندما كنا نقترح مشروعاً عاماً لكافة شعوب وقبائل الإقليم لكي نتجاوز انقسامات القرابات في الكيانات، كان الجواب أن ذلك صعب التحقق ويكاد أن يكون مستحيلاً، وكأن الصراع الفتنوي داخل الكيان ليس قابلاً للتحقق.
يذكرني هذا المنطق بمنطق اليسار الناتوي الذي كان يتهم النظام في سورية بالطائفي، مبرئاً في الوقت ذاته الثورة من الطائفية. فالنظام بمنطقهم كان طائفياً، أما من يغالبه فهو عصري الاجتماع ومؤلف من مواطنين أفراد.
المشكلة اليوم أن أصحاب هذا الفكر قد أصابهم اليأس، فهم لا يرون إمكانية العودة إلى نظام «تقدمي»، وكأنهم يعترفون بأن فكرهم لا يريهم تركيبة الاجتماع في الإقليم ككل، وليس فقط في سورية.
ومعروف في الفكر السياسي أن كل فكرة مسدودة الأفق تعبر عن رؤية سياسية مسدودة. وبما أن الانسداد ليس من طبيعة المجتمعات فإن المشكلة نجدها في النظرية التي نستعملها في قراءة مجتمعنا وليس في المجتمع نفسه. ذلك أن دراسة التشكيلة الاجتماعية الجديدة (منذ هيمنة الرأسمالية الغربية على بلادنا) تدل أولاً أنها عالمية، وأن التناقض التناحري فيها -ثانيا- هو بين مركزها الذي يعيش ويزدهر بفضل نهب ثروات الشعوب وبين الشعوب المنهوبة.
فالتغيير هو تغيير نظام الهيمنة الاستعمارية، وليس تغيير نظام الكيان الذي يغرقنا بالفتن والصراعات الثانوية غير المنتجة.

أترك تعليقاً

التعليقات