صراع مُعلب!
 

روبير بشعلاني

روبير بشعلاني / لا ميديا -
بالرغم من انقسام الفكر السياسي العربي إلى تيارات متعددة، يمكن مع ذلك القول بأنها في أغلبيتها تنطلق من أفكار أوروبية. فالعلماني يرغب بتقليد أوروبا في عصرنة الدين وعقلنته، والاشتراكي يرغب بتقليد اشتراكية أوروبا كذلك... هذا إذا لم يشترك معهم في تقليد أفكار التغيير الطبقي في مجتمعات لم تعرف هذا النوع من الاجتماع. فكلما رأى قرابياً يعمل في دكانة صغيرة يقوم برفع علمه ومطرقته ومنجله.
أما التيار القومي فينطلق هو أيضاً من أفكار أوروبية مسبقة عن وحدة الدولة الرأسمالية القومية. فالقومية بالنسبة له هي الجوهر الذي يجب أن يعمّ. ويحتار هذا النوع من الفكر إزاء أي عامل يجب التعويل عليه لكي يبني قومية مشروعه: هل هي اللغة؟ هل هي الجغرافيا؟ هل هو الدين؟ وهنا يزداد التعقيد بسبب عدم عروبة شعوب شكلت تاريخياً مع ذلك وحدة سياسية مع العرب.
أما الفكر الليبرالي الحداثي فينحصر في تيارات تنتمي لقرابات «المجد» وأفكار الاستعمار. فهي كيانية بامتياز، وتحلم ببناء أوروبا في بلادها. تدافع عن التفتيت وعن الموديل الاستعماري المبهورة به وبدولته وقانونه.
الأغلبية إذن لا تنطلق من تاريخ بلادها الملموس، وتتجاهل اللحظة التاريخية الأهم في هذا التاريخ، ألا وهي لحظة الاستتباع للاستعمار. تتجاهل التغيير الكبير الذي حصل نتيجة الغزو الرأسمالي الأوروبي. يواصل الفكر السياسي العربي تأسيس أفكاره على ما يستمرئه في الغرب دون التوقف عند التشكيلة الاجتماعية التي أرساها الغرب الأوروبي ثم الأمريكي في بلادنا المنهوبة.
فالتفتيت «نهائي» عند هذا الفكر. إقامة كيانات غير قابلة للعيش ولا للتغيير مسألة انتهت وأطلقوا على الكيانات لقب وطنية في إشارة إلى نهائيتها. إقامة حاجز للوحدة والردع مسألة فلسطينية صرفة لا تعنينا إلا من حيث الأخوّة والدعم الأخلاقي. تدمير بنى الاقتصاد السابقة على السيطرة الاستعمارية مسألة لا تخص المشروع الاستعماري بل هي نتاج البورجوازية الكومبرادورية.
اجتماع قبلي وقرابي رحمي أو طائفي ليس هو الاجتماع الحقيقي، بل هو نتاج عمل البورجوازية نفسها لكي تكرس غلبتها وحكمها.
غياب مفهوم التشكيلة الاجتماعية هو الذي يغيب في الفكر السياسي العربي لصالح أفكار غربية متنوعة من ليبرالية إلى قومية إلى اشتراكية.
لهذا نرى أدوات المواجهة تقتصر على الكيانات، ومواجهة الاستعمار إذا حصلت تحصل في إطار الكيان وحساباته السياسية. عدم فهم الصراع بصفته صراعاً بين الناهب الاستعماري والشعوب المنهوبة يجعله صراعاً معلباً على قياس كل كيان بدون مشاريع أمنية واقتصادية وسياسية موحدة لمواجهة الاستعمار العالمي. فالاستعمار ليس كيانياً، بل هو رأسمالية عالمية.

أترك تعليقاً

التعليقات