أي كفاءات؟!
 

ابراهيم الحكيم

إبراهيم الحكيم / لا ميديا -
ينشد المواطنون، كل المواطنين بلا استثناء؛ التغيير باتجاه الأفضل، فكيف الحال والمطروح الآن “التغيير الجذري”؟! الحال قطعا تستدعي الأخير لبلوغ المنشود الأمثل. لكن إعلان المرحلة الأولى من التغيير، يطرح السؤال: ما هو المقصود بـ”الكفاءات”؟
فعليا ظلت مفردة “كفاءات” في بلادنا من الأمور الملتبسات، ومثار جدال خلال سنوات طوال. الآن، يتساءل الناس عن معايير توصيف وقياس “الكفاءة”، والتحقق من أن المرشحين أو المُعينين أكفاء بالفعل، مؤهلون لأداء المهام، مساوون لحجمها ومتطلباتها يمكن التوافق، بداية، على أن “الكفاءة” تعني بجانب النزاهة الشخصية: الأهلية العلمية، والخبرة العملية، والدراية التخصصية، والجدارة المهنية، والمهارة الإدارية، والمقدرة الإنجازية. هذا التوافق سيقودنا للتساؤل: كيف سيتم الاهتداء للكفاءات، والمفاضلة بينها؟!
نرى هنا، لضمان التوفق في اختيار الأكفاء أو الكفاءات، الالتزام بنص إعلان تدشين “التغيير الجذري”، وتصحيح وتغيير معيار الثقة جذريا، باعتماد “المِهْرَة” على “الشُهْرَة”، وتقديم “الخِبْرَة” على “الخُبْرَة”، و”المَقدِرَة” على “المَعْرِفَة”، وإسقاط “الوساطة” أو “التزكية”.
مثل هذا التغيير، مهم جدا، لأن واقع التجربة في غير زمان ومكان، أكد بالدليل والبرهان، أن معيار “الشُهْرَة” خادع، وأن معايير “الخُبْرَة” و”الشِلّة” والمَعْرِفة والوساطة، مما يجلب أعباء على أي إدارة، في وقت تحتاج إلى مساعدة، والعون على مهام المرحلة.
كذلك الحال، في عملية الاختيار، أرى ألا تعتمد ترشيح كل مكون من يراه كفؤا. فهذا لا يقود غالبا إلى كفاءات بقدر ما يؤدي تفاهمات سياسية تحتكم غالبا إلى محاصصة، وشغل كل مكون مقاعد حصته، كما لو أن النجاح أو الفشل سيرتد عليه وحده!
لهذا أقترح اقتلاع هذا المطب المُزمن، وضمان أكبر قدر ممكن من التوفق في الاختيار، بوضع شروط واضحة وعملية، مواصفات محددة لشاغل كل موقع، وآلية عملية لترشيح “الكفاءات”، ثم معايير مفاضلة بين الخيارات المرشحة، لكل موقع من مواقع العمل.
هذه الآلية تتلخص في تكليف شخصيات ثقات، ذات باع واختصاص في كل قطاع، ممن بلغوا سن التقاعد، بترشيح (5-10) كوادر في مجالها هي الأكفاء. ثم عمل استبيان حالة، شامل ومركز، لمسيرة وسيرة المرشحين، ليتسنى فرزهم إلى خمسة مرشحين.
بعد الترشيح واستبيان الحالة، يأتي الأهم والأكثر حسما وتحقيقا لدقة الاختيار، ونعني به الاختبار. هذا ممكن بطلب تصورات من المرشحين الخمسة، ونعني بها رؤى أو برامج عمل، مهنية ومنهجية، واقعية وممكنة التنفيذ، لما سيعمله كل مرشح بالموقع المرشح له.
معلوم هنا، وفقا للمنهج القرآني وكذا العلم الإداري، أن إنجاز أي عمل يتطلب التخطيط، والأخير يرتكز على 5 معطيات رئيسة وعامة: الغايات (الأهداف) = المهمات (الواجبات) = المدخلات (المتطلبات) = الآليات (النُظم والأدوات) = المخرجات (الخدمات).
لهذه ينبغي أن تتضمن البرامج أولا توصيف كل مرشح لماهية وطبيعة العمل المرشح له، وواجباته ومسؤولياته وأهدافه. يجب أيضا أن تتضمن تصنيف كل مرشح للعمل المنوط به، في أربعة مسارات رئيسة، تسير بالتوازي على نحو متناغم ومتكامل ومتفاعل.
يمكن تلخيص مسارات التغيير الأربعة في: التسيير (أداء المهام والواجبات الأساسية)، التيسير (تحرير قيود وعوائق العمل وتصحيح الوضع)، التجسير (توظيف الإمكانيات لتفعيل ورفع الإنتاجية)، التطوير (تحديث آلية العمل وتحسين الجودة: نوع وكيف وكم الخدمة).
في المقابل، يفترض رابعا، أن يسرد كل برنامج عمل، المتطلبات اللازمة لتنفيذه: تنظيمية، تشريعية، مالية، تقنية، إنشائية. على أن يكون سرد المتطلبات واقعيا وعمليا، يوازن بين الطموحات والتحديات، ويراعي ثلاثة مستويات من الاحتمالات، مع وضع البدائل.
وبالطبع، يجب أن يتضمن كل برنامج عمل، جدولة الأهداف إلى: قصيرة المدى، متوسطة المدى، وبعيدة المدى. سادسا، وهو الأهم، يجب أن يكون برنامج عمل كل مرشح، مُزمنا، أي مقرونا بإطار زمني محدد، لكل مرحلة من مراحل ما يعد المرشح بعمله وإنجازه.
على ضوء التصورات أو رؤى وبرامج العمل، المُقدمة من المرشحين، تتم المفاضلة بينهم واختيار مُقدم أفضل برنامج، وتكليفه بتنفيذه. اعتماد هذه الآلية، ترشيحا واختبارا ومفاضلة؛ سيضمن إيجاد دليل تقييم أداء، وتدقيق مسار الأداء، وتقويم أي تعثر أو انحراف، أولا فأولا.
عدا هذا، لا أرى إمكانية توقع جديد مفيد، أو توقع إنجاز أكيد وفريد. أو بعبارة أخرى، لا يمكن برأيي دون هذه الآلية، توقع أفضل مما كان في تصحيح الكائن وتطويره باتجاه ما ينبغي أن يكون، من “تغيير جذري” منشود من الجميع إلى حال أفضل وواقع أكمل، ومآل أمثل.

أترك تعليقاً

التعليقات