عثمان الحكيمي

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
في منعطف تاريخي جديد، أثبتت إيران مرة أخرى قدرتها الفائقة على تجاوز التحديات، محبطةً مؤامرة كبرى كانت تهدف إلى جر البلاد نحو الفوضى والحرب الأهلية، وتقويض الجمهورية الإسلامية كحجر زاوية في استقرار «الشرق الأوسط» بأكمله. اندلعت في البداية احتجاجات محدودة حول الأوضاع الاقتصادية الناتجة عن العقوبات الأمريكية الجائرة والحصار الظالم، لكن سرعان ما تم استغلالها من قبل عناصر معادية مدعومة من الخارج، لتحويلها إلى أعمال شغب وتخريب ممنهجة استهدفت أمن المواطنين واستقرار الدولة وممتلكاتها العامة والخاصة، ودور العبادة، وقتل الأبرياء من المدنيين وقوات الأمن.
 وهو ما صرحت به القيادات الإيرانية وأعلنت أن تحويل تلك الاحتجاجات واستغلالها من الخارج ودعمها عبر مجموعات مسلحة وعملاء ترفضه إيران رفضاً قاطعاً. لقد كانت الخطة واضحة لمن يقرأ ويتابع الوضع الإيراني بدقة: استغلال الصعوبات الاقتصادية عبر حملات تضليل إعلامي واسعة، ثم الدفع بمجموعات إرهابية ومثيرة للشغب، تم تسليحها وتدريبها من قبل أجهزة استخبارات معادية -أمريكية وصهيونية في المقام الأول- لإشاعة العنف وتدمير البنية التحتية. الاحتجاجات التي بدأت عفوية، شابتها حرب هجينة هدفها تقويض النظام منذ اللحظة الأولى، وخطف المطالب الشعبية المشروعة لتنفيذ أجندات خارجية تسعى لزعزعة المنطقة.

إفشال المخطط الأمريكي الصهيوني
برزت حكمة القيادة الإيرانية وبصيرتها كصمام أمان حال دون تفكك الدولة، حيث فصل المرشد الأعلى بوضوح قاطع بين المطالب المعيشية المحقة للمواطنين- التي هي محل اهتمام ومتابعة ووعود بالمعالجة- وبين أعمال العنف والتخريب التي تقودها أيادٍ أجنبية. هذا التشخيص الدقيق مكّن أجهزة الدولة من التحرك على مسارين متوازيين: احتواء الغضب الشعبي عبر الاعتراف بالضائقة وتقديم وعود بالمعالجة، والمواجهة الحازمة مع مثيري الشغب المسلحين الذين عاثوا في الأرض فساداً. لقد قدمت قوات الأمن تضحيات جسام، حيث استشهد آلاف من أفرادها وهم يدافعون عن أمن الوطن والمواطن في وجه هذه الهجمة الشرسة.
كشفت الأزمة عن الوجه الحقيقي للسياسة الأمريكية، حيث سارع الرئيس دونالد ترامب إلى صب الزيت على النار، مطلقاً تهديدات بالتدخل العسكري المباشر، راهناً على انهيار النظام في غضون أيام ومشجعاً عملاءه الداخليين على تصعيد العنف. لكن هذا الرهان سرعان ما تبدد أمام صلابة الدولة وخبرة قيادتها في إدارة الأزمات، وأمام خروج الشعب الإيراني بمسيرات مليونية حاشدة مؤيدة للنظام والدولة، مؤكداً أن الهدف الحقيقي ليس الديمقراطية أو تحسين المعيشة، بل تدمير الدولة وتقسيم البلاد كما حدث في دول أخرى. إن الوعي الشعبي العميق، المتراكم عبر صمود الأمة الإيرانية عبر العصور كان السلاح الاستراتيجي الأقوى؛ إذ مكّن الإيرانيين من التمييز بين التعبير السلمي المشروع وبين الانجرار وراء فوضى خارجية مشبوهة، مؤكدين أن الحفاظ على الدولة الوطنية وسيادتها هو الأولوية القصوى، وأن أي تغيير يجب أن يأتي من الداخل وبأدوات وطنية. بهذا التلاحم بين الشعب والقيادة، أفشلت إيران واحدة من أخطر المؤامرات التي حيكت ضدها، وأثبتت أن أمنها واستقرارها خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

صمود إيران أمام المؤامرة.. هل أفشل المخطط فعلاً.. أم نقل الصراع إلى مراحل أكثر تعقيداً وخطورة؟
لم يكن صمود إيران مجرد نصر تكتيكي يُسجَّل في سجلِّ الأحداث، بل كان صدمة استراتيجية عميقة أعادت ترتيب أوراق الطاولة الإقليمية والدولية. ألم تُظهر الأزمة أن مشروع «تغيير الأنظمة» الأمريكي يعاني من تصدُّع بنيوي؟ أم أن فشل العقوبات الطويلة الأمد في كسر الإرادة الإيرانية يعني أن هذا السلاح قد فقد بريقه إلى الأبد؟ أم أنه فقط ينتظر شكلاً جديداً أكثر خبثاً؟
ثم، هل يعني تعزيز مكانة إيران كقوة ذاتية الاستقرار أن دول الجوار ستُعيد قراءة حساباتها الاستراتيجية من جديد؟ هل سنشهد تدريجياً ميلاً نحو الحوار مع طهران بدل الارتهان لتحالفات أثبتت هشاشتها؟ أم أن التحشيد الأمريكي المستمر في المنطقة -والذي يضع الجميع على حافة الهاوية- سيُولِّد ردود فعل معاكسة تماماً؟ وإذا ما حدث ذلك، فمن سيستفيد في النهاية؟
وأخيراً، هل النموذج الإيراني في مواجهة الحرب الهجينة -الاعتماد على الذات، تقوية الجبهة الداخلية، التلاحم الشعبي والقيادي- درسٌ قابل للتصدير إلى كل دولة تُريد البقاء؟ أم أنه نموذج مرتبط بظروف تاريخية وثقافية خاصة لا يمكن تكراره؟ وإذا نجحت دول أخرى في تطبيقه، فهل يعني ذلك بداية نهاية عصر الهيمنة الأحادية؟ أم أن الفترة القادمة ستحمل في طياتها مفاجآت أخرى لم نرَ بعدُ سوى ظلالها؟ الأيام وحدها ستكشف. لكن السؤال الأكبر يبقى معلقاً: هل فشلت المؤامرة فعلاً، أم أنها فقط تطورت إلى شكل أكثر تعقيداً وخفاءً؟

سُحب المؤامرة لم تنقشع.. طبول الحرب تُقرع في الأفق
على الرغم من الانتصار الاستراتيجي الذي حققته طهران بإفشالها فصلاً دقيقاً ومُحكماً من فصول الحرب الهجينة، فإن الاعتقاد بأن المعركة قد انتهت هو قراءة سطحية وساذجة لمجريات الصراع. فالواقع يشير إلى أن ما حدث لم يكن سوى جولة في حرب ممتدة، وأن سُحب المؤامرة لم تنقشع بالكامل عن سماء طهران، بل ربما تتجمع اليوم بكثافة أكبر، مدفوعة بغضب القوة الجريحة التي رأت مخططاتها تنهار. إن فشل رهان واشنطن على تفجير الوضع من الداخل عبر أدواتها الناعمة والخشنة، لم يدفعها إلى مراجعة سياساتها، بل على العكس، يبدو أنه قد استنفر غريزتها العدوانية، ودفعها نحو خيارات أكثر خشونة وخطورة.
فالمشهد اليوم يتحدث عن نفسه؛ فالتحشيد العسكري الأمريكي غير المسبوق في مياه الخليج والقواعد المحيطة بإيران، والذي يتم تحت غطاء «ردع التهديدات الإيرانية»، هو في جوهره أبعد من مجرد استعراض للقوة. إنه إعادة تموضع استراتيجي واسع النطاق، ورسالة بالنار موجهة ليس فقط إلى طهران، بل إلى العالم بأسره، مفادها أن واشنطن لم تتخلَّ عن هدفها الرئيسي المتمثل في كسر إرادة الجمهورية الإسلامية. هذه الحشود الضخمة من حاملات الطائرات والمدمرات والقاذفات الاستراتيجية، لا يمكن تفسيرها على أنها مجرد مناورات روتينية، بل هي ترتيب لقطع الشطرنج على رقعة المنطقة، استعداداً لخطوة قادمة قد تقلب الطاولة على الجميع.
هنا، تبرز الأسئلة الكبرى التي تشغل بال كل مراقب: هل نحن أمام مجرد حرب نفسية تهدف إلى استنزاف إيران وإجبارها على العودة إلى طاولة المفاوضات بشروط أمريكية؟ أم أن إدارة البيت الأبيض، المحبطة من فشلها الداخلي، قد اتخذت قراراً استراتيجياً بالانتقال إلى المواجهة المباشرة، وترى في العمل العسكري المحدود أو الشامل الوسيلة الوحيدة لاستعادة هيبتها المفقودة وإعادة فرض هيمنتها؟ وما هي طبيعة هذا العدوان المحتمل؟ هل سيكون ضربات دقيقة تستهدف المنشآت الامنية والعسكرية، أم حرباً شاملة؟
إن الإجابة على هذه التساؤلات تتطلب تفكيكاً عميقاً للعقلية الاستراتيجية الأمريكية، وتحليلاً دقيقاً لموازين القوى العسكرية والاستخباراتية، واستقراءً للسيناريوهات المحتملة وردود الفعل التي قد تتبعها. هذا هو التحدي التحليلي الأكبر الذي يواجهنا اليوم، وهو ما سنتصدى له بالتفصيل في مقالنا القادم، حيث سنغوص في أبعاد الحشود العسكرية، ونرسم خرائط المواجهة المحتملة، ونحلل ما تمتلكه كل جهة من أوراق قوة قد تحدد مصير منطقة تقف اليوم على حافة الهاوية.

أترك تعليقاً

التعليقات