طبول الحرب تُقرع بصخب في المنطقة..فهل هي مناورة أم أن ساعة الصفر قد اقتربت؟
- عثمان الحكيمي السبت , 31 يـنـاير , 2026 الساعة 12:10:17 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
ما نشهده اليوم ليس مجرد استعراض للقوة، بل هو أثقل ترتيب عسكري أمريكي في المنطقة منذ تلك الليالي التي سبقت سقوط بغداد عام 2003. الإشارات الأولى جاءت من السماء، حيث ألغت خطوط الطيران الدولية رحلاتها، وهو مؤشر لا يظهر إلا حينما تصل تقديرات المخاطر الأمنية إلى مستوى حرج وتتجاوز الخطوط الحمراء. في البحر، اكتمل الحشد بوصول حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» وتمركزها في بحر عمان كوحش معدني يتربص، ضمن مسرح عمليات القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM).
البيان الرسمي يتحدث عن «تعزيز الاستقرار»، وهي لغة دبلوماسية معتادة في السياسة الأمريكية القذرة، لكن هل ستتغير تلك اللغة في لحظةٍ وتتحول فيها القطع البحرية إلى الوضع الهجومي؟ ترافق «لينكولن» مجموعة قتالية ضاربة (Carrier Strike Group) تضم ثلاث مدمرات وغواصة نووية.
في هذا السياق، يمكن القول إن الغموض الحقيقي يكمن في تلك القوة القابعة تحت السطح وفي الأعماق؛ فمن بين أسطول يضم 70 غواصة أمريكية، تم الإعلان عن اثنتين فقط في المنطقة، إحداهما من فئة «أوهايو» والأخرى «جورجيا»، قادرتان على إطلاق مئات صواريخ «توماهوك». ولهذا، لا أحد يعرف يقيناً كم عدد القطع التي تنتظر الآن في الظلام الدامس.
كمراقبين لتلك التحركات الأمريكية الأخيرة في المنطقة، نفسح مجالاً للشك والتساؤل: هل هذا الحشد مجرد رسالة، أم إعداد جدي لعمل عسكري واسع النطاق في المنطقة وضد الجمهورية الإسلامية بعد أن فشل المخطط الأمريكي الصهيوني في الداخل الإيراني؟
سماءٌ ملغمة
ليست «لينكولن» وحدها في هذا المشهد الدرامي. مجموعة قتالية أخرى تتمركز حول حاملة الطائرات «جورج بوش» تشق طريقها نحو البحر المتوسط. هذا يعني أن القوة الجوية الأمريكية وحدها في المنطقة ستقترب من 200 مقاتلة، من ضمنها طائرات (F-35) الشبحية و(F/A-18) «سوبر هورنت». إذا أضفنا إليها القوة الجوية الصهيونية الجاهزة، والتي تقدر بـ300 مقاتلة، فإننا نتحدث عن قوة جوية مشتركة تقارب 500 طائرة مقاتلة حديثة. ولتعزيز هذه الذراع الجوية، تم نشر طائرات التزويد بالوقود (KC-135)، مما يؤكد الاستعداد لعمليات قصف طويلة الأمد ومتواصلة في المنطقة.
الخطة الأمريكية تبدو واضحة: الاعتماد على التفوق الجوي الساحق والحصار البحري الكامل لإنهاء مهمة ما في المنطقة. فهل تكون إيران الهدف، أم أن هناك احتمالية لأن تتورط أمريكا والكيان الصهيوني في عدوان على اليمن أو لبنان؟ يبدو أن الاستراتيجية المسربة تشير إلى «تكتيك فنزويلا» المطور: الجو والبحر، مع الاعتماد على قوة بشرية محدودة قوامها جنود حاملات الطائرات. لكن هل تعلم أمريكا أن إيران واليمن ليستا فنزويلا؟
تنسيق الظل.. هل تخشى «إسرائيل» من فاتورة الضربة الأولى؟
التنسيق بين واشنطن و«تل أبيب» بلغ ذروته. صحيفة «إسرائيل هيوم» كشفت أن قائمة الأهداف النهائية قد تم إقرارها بعد اجتماع رفيع المستوى بين الجنرال كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، وقادة الجيش «الإسرائيلي». من المرجح أن تكون القائمة «الإسرائيلية» ضد إيران أوسع، وقد تم تسليمها للأمريكيين لتضمينها في الخطة الشاملة. فهل تشمل القائمة أهدافاً سيادية لم يسبق المساس بها في الداخل الإيراني؟
في الكيان الصهيوني، حالة التأهب قصوى، لكن الخطاب الرسمي حذر، حيث يؤكدون على الرد الحاسم «إذا» هوجموا. هذه استراتيجية مدروسة. فـ«تل أبيب»، صحيح أن الغموض يلف موقفها الصهيوني؛ فهم يؤكدون أنهم «سيردون» فقط إذا هوجموا، لكن العارفين بخبايا الأمور يتساءلون: هل يخاف الكيان الصهيوني من تركيز الرد الانتقامي على الجبهة «الإسرائيلية»؟
حتمية المواجهة
الأجواء في المنطقة وصلت إلى النهاية، والمواجهة تبدو حتمية. الشعور السائد في الكيان الصهيوني هو أن الحرب قد تندلع خلال أيام أو أسابيع على أقصى تقدير. ترامب، بأسلوبه المعتاد، يلوّح بضربة عسكرية ضخمة، وفي الوقت نفسه يفتح باب التفاوض، لكن بشروط تعني الاستسلام الكامل: «تفكيك البرنامج النووي والصاروخي، والتخلي عن الأذرع الإقليمية». هذه شروط من المستحيل أن تقبل بها القيادة في طهران، مما يجعل الصدام خياراً لا مفر منه.
مع طي صفحة غزة بعد تسليم جثة آخر رهينة «إسرائيلي»، تحول التركيز بالكامل نحو إيران. السفارة الأمريكية في بغداد تراقب التطورات عن كثب، لكن القرار النهائي بيد رجل واحد في واشنطن. كل المؤشرات تقول إن المنطقة على أعتاب مواجهة.
جاهزية إيران.. هل يتحول الحشد الأمريكي إلى فخ استراتيجي؟
كلما عادت طبول الحرب الأمريكية لتقرع في المنطقة، تقابلها إيران بقوة وتصرح بأن هذه الحشود ليست قادرة على إخافة طهران. فالقيادة الإيرانية تدرك أن هذا الحشد في العراء يمكن أن يكون مستنقعاً للأمريكيين. فبينما تتباهى واشنطن بحشدها، تدرك طهران أن هذا الحشد يقف مباشرة في مرمى صواريخها. فهل يمكن لاستعراض القوة هذا أن يكون خطأً استراتيجياً فادحاً؟ إن وضع قطعة بحرية تساوي مليارات الدولارات، مع آلاف الجنود، في مياه الخليج الضيقة وبحر عمان، يجعلها هدفاً مثالياً ومكشوفاً. فإيران، التي أمضت عقوداً تستعد لهذه اللحظة، تمتلك ترسانة من الصواريخ الباليستية الدقيقة المضادة للسفن، وأسراباً من الزوارق السريعة الانتحارية، وشبكة من الألغام البحرية القادرة على تحويل الخليج إلى مقبرة للأساطيل. إن كل قطعة بحرية أمريكية تدخل المنطقة لا تمثل تهديداً بقدر ما تمثل هدفاً ثميناً ينتظر لحظة الصفر.
من جهة أخرى، وبينما ينشغل العدو بوضع قوائمه النهائية لأهداف في إيران، يبدو أنه نسي أن طهران قد أعدت قوائمها منذ زمن طويل. فكل هدف في إيران يقابله عشرات الأهداف الحيوية في عمق الكيان الصهيوني والقواعد الأمريكية المنتشرة في المنطقة؛ من «ديمونا» إلى موانئ حيفا، ومن قاعدة «العديد» في قطر إلى الأسطول الخامس في البحرين، كل شيء في مرمى الصواريخ الدقيقة للحرس الثوري وحلفائه.
إن استهداف أي منشأة في إيران سيعني فتح أبواب الجحيم على مصالح أمريكا وحلفائها، من مضيق باب المندب إلى شرق المتوسط. المعادلة التي قد لا يفهمها البعض هي أن هذه لن تكون حرباً من طرف واحد، بل حرب سترتد نيرانها على من أشعلها، وستكون كلفتها باهظة بشكل لا يمكنهم تخيله.
تظن واشنطن أنها تحاصر إيران، فهل تكون النتيجة عكسية؟ وهل يُعقل حقاً أن قيادة واجهت أعتى العقوبات والحصار لعقود ستردعها حاملة طائرات وحشد في العراء؟ ربما يكون هذا الحشد فرصة تاريخية لتلقين «الشيطان الأكبر» درساً لن ينساه، ولتثبيت قواعد اشتباك جديدة في المنطقة.
المواجهة قد تكون قادمة، لكنها لن تكون كما يشتهي أعداء إيران، بل قد تكون بداية النهاية للهيمنة الأمريكية في غرب آسيا.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي