اليمن بين إرث الاختلال وضرورات الإصلاح الإداري.. إلى متى يدفع المواطن ثمن التأجيل؟
- عثمان الحكيمي الأثنين , 22 يـونـيـو , 2026 الساعة 10:31:31 PM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
ثمة حقيقة مُرّة يدركها كثير من المواطنين في المجتمعات التي تعاني اختلالات مزمنة في أداء مؤسساتها؛ فالمواطن لا يتطلع إلى الدولة بوصفها مجرد جهة تصدر الوثائق وتنجز المعاملات، بل بوصفها الإطار الجامع الذي يُفترض أن يوفر له الأمن والعدالة، والتعليم والرعاية الصحية، وفرص العمل، والبنية التحتية الملائمة، والحماية الاجتماعية، وأن يصون حقوقه وكرامته، ويهيئ له شروط الحياة الكريمة. غير أن المواطن يجد نفسه، في كثير من الأحيان، أمام واقع مغاير؛ إذ يضطر إلى التكيف مع مؤسسات تعجز عن الاستجابة لاحتياجاته أو عن مساءلة القائمين عليها.
ويتكرر هذا المشهد بأشكال وصور متعددة في البيئات التي تعاني ضعفاً مؤسسياً وإدارياً، بما يكشف عن خلل بنيوي عميق في العلاقة بين الدولة والمجتمع؛ فبدلاً من أن تكون مؤسسات الدولة أدوات فاعلة لتنظيم المصالح العامة، وتحقيق التنمية، وضمان تكافؤ الفرص، وحماية الحقوق والحريات، تتحول تدريجياً إلى مؤسسات مثقلة بالتعقيدات، محدودة الكفاءة، وضعيفة الاستجابة لتطلعات المواطنين، الأمر الذي يفضي إلى تآكل الثقة العامة، ويجعل المواطن يشعر بأنه يتعامل مع سلطة بعيدة عن همومه، أكثر من تعامله مع مؤسسات وُجدت أساساً لخدمته.
إرث الاختلال وتحديات التحول
تبرز التجربة اليمنية بوصفها إحدى أكثر الحالات تعبيراً عن هذا الاختلال في المؤسسات الإدارية؛ إذ لم يكن التراجع في قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية حدثاً طارئاً فرضته الظروف الراهنة فحسب، بل كان نتيجة مسار طويل من الاختلالات البنيوية والتراكمات الإدارية والسياسية التي أضعفت مؤسسات الدولة عبر عقود من الزمن، ورسخت أنماطاً من الفساد والمحسوبية والترهل المؤسسي.
فمنذ أن وُلدت الجمهورية اليمنية الموحدة عام 1990، كانت تحمل في جسدها بذور مرضها؛ فقد حملت في بنيتها إرثاً ثقيلاً من الاختلالات المؤسسية والإدارية، تراكمت فوقه سنوات من الفساد والمحسوبية والترهل وضعف الحوكمة، حتى غدت مؤسساتها عاجزة عن مواكبة تطلعات المجتمع المتزايدة، في حين كان يُفترض أن تمثل بداية لعهد جديد من بناء الدولة الحديثة.
وجاءت أحداث عام 2011، التي عُلقت عليها آمال واسعة لإعادة بناء الدولة وتصحيح مسارها على أسس أكثر عدالة وكفاءة، لتكشف حجم الأزمة المتجذرة أكثر مما نجحت في معالجتها؛ فقد بدا واضحاً أن المشكلة لم تكن في الحكومات المتعاقبة وحدها، بل في بنية دولة أنهكتها عقود من سوء الإدارة، وضعف المؤسسات، وتغول مراكز النفوذ. ثم دخلت البلاد في مرحلة جديدة من التحولات والصراعات والتحديات الاستثنائية التي رافقتها تداعيات اقتصادية وإنسانية عميقة.
وبعيداً عن الخوض في تفاصيل تلك الأحداث وتشعباتها، فإن الحقيقة التي يصعب إنكارها هي أن اليمنيين وجدوا أنفسهم أمام دولة أنهكتها الأزمات المتلاحقة، ومؤسسات عامة تكتفي للحفاظ على مادون الحد الأدنى من قدرتها على أداء وظائفها الأساسية تجاه مواطنيها.
ولم تمض سنوات قليلة حتى دخل اليمن مرحلة أشد قسوة؛ انقسام سياسي، وصراع داخلي، وعدوان خارجي، وحصار خانق، واقتصاد يتآكل. وفي خضم هذه الظروف، برزت حركة أنصار الله بوصفها رأس الحربة في الثورة، وبوصفها القوة الأكثر حضوراً وتأثيراً في المشهد اليمني، وتمكنت من الحفاظ على قدر من التماسك المؤسسي والأمني في المناطق الواقعة تحت إدارتها. وصحيح أنهم صمدوا حين لم يصمد غيرهم، فمنحهم ذلك حضوراً لا يُنكر ولا يُتجاهل، لكن الصمود وحده لا يبني دولة.
ثمة سؤال يظل معلقاً لا يحتمل المجاملة: هل يمكن لسلطة نشأت في الحرب أن تتحول إلى دولة تخدم مواطنيها في حالة اللاسلم واللاحرب؟ وهل يمكن لمن أتقن فن الصمود أن يتعلم فن البناء؟ وتتفرع من هذا السؤال أسئلة أخرى لا تقل إلحاحاً: ماذا عن حالة اللاسلم واللاحرب التي تعيشها اليمن اليوم؟ أليس هذا الوضع المعلّق، بما يحمله من استنزاف سياسي واقتصادي وإنساني، محكوماً في النهاية بأحد مسارين لا ثالث لهما: إما عودة جديدة إلى الحرب، وإما الذهاب إلى مصالحة وطنية شاملة تعيد تعريف العلاقة بين القوى اليمنية على أساس الشراكة والحد الأدنى من الدولة؟
وفي هذا السياق، يبرز السؤال الاقتصادي: كيف يمكن إدارة اقتصاد منهك ومحاصر وشحيح الموارد؟ وهل أصبح الحصار مبرراً دائماً لتأجيل الإصلاحات فيه؟ وما هي الموارد الحقيقية التي مكّنت من استمرار الصمود طوال هذه السنوات؟ وهل يمكن لهذه الموارد أن تشكل أساساً يخفف عن المواطن، أم أنها موارد استثنائية مرتبطة بظروف الصراع، ولا تصلح لبناء الحد الأدنى مما يخفف ما يعانيه المواطن؟ ثم ماذا؟ هل يكمن تعثر التحول إلى دولة تهتم بالمواطن، بالرغم من نقص الإمكانات، في غياب الإرادة السياسية والإدارية، أم في طبيعة البنية التي أفرزتها سنوات الحرب؟
المشرط أم المقصلة؟ معالم الإصلاح الإداري الذي لا بديل عنه
الصمود، على أهميته، لا يكفي وحده لبناء الدول. فالمواطن اليمني الذي صبر على الفقر والحرب والحصار، وعاش كل هذا وأكثر، لم يعد يعتبر الصمود منجزاً وحيداً يجب التوقف عنده و لم يعد الصبر بديلاً عن الدولة أو بديلاً عن الحياة الكريمة، بل بات يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك؛ إلى دولة يشعر بوجودها في مدرسته ومستشفاه، وفي راتبه الذي يصله في موعده، وفي طريقه الآمن، وفي معاملة تُنجز دون وساطة، وفي حق يُصان دون استجداء. إنه يريد دولة تؤدي وظيفتها الطبيعية تجاه مواطنيها.
وفي أدبيات بناء الدولة، لا يكمن الامتحان الحقيقي لأي تجربة سياسية في قدرتها على الصمود فحسب، بل في قدرتها على تحويل ذلك الصمود إلى مشروع بناء يرد الاعتبار للدولة، ويعيد للمواطن ثقته بأنها وُجدت من أجله، وذلك من خلال مؤسسات فعالة، وخدمات عامة مستقرة.
إذ تفترض نظريات العقد الاجتماعي أن وجود الدولة يكتسب معناه من قدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاه المواطنين. وفي هذا السياق، يُقال إن الشعوب تستطيع أن تتسامح مع شظف العيش، وأن تصبر على سنوات الصراع، لكنها في نهاية المطاف لا تمنح ولاءها الدائم إلا لدولة تشعر بوجودها في حياتها اليومية، كما تشعر بها على الحدود وخطوط المواجهة مع العدو.
وفي الحقيقة، فإن الإصلاح الإداري لا يعني إعادة طلاء الجدران وتغيير اللافتات، بل يعني إعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن من أساسها. فهو منظومة متكاملة من التحولات التي تهدف إلى تحويل الجهاز الحكومي من بيروقراطية ثقيلة تستنزف المواطن إلى مرفق خدمي فعّال يحترم وقته ويصون حقوقه.
وفي السياق اليمني تحديداً، يكتسب هذا الإصلاح بُعداً أعمق؛ لأن الدولة تحتاج أولاً إلى إعادة تعريف نفسها بوصفها مؤسسة تخدم الجميع. فالإصلاح هنا هو استعادة الدولة لمعناها في عقول مواطنيها، والخروج من الحالة الراهنة التي أفرغت مفهوم الدولة من كثير من مضامينه.
فالإصلاح عملية جراحية دقيقة تمس العظم قبل اللحم، لكنها تبقى السبيل الأنجح لتعزيز كفاءة الخدمات الحكومية، ورفع فاعلية مؤسسات الدولة. وهو أيضاً رسالة سياسية وأخلاقية تقول للمواطن إن الدولة ليست غنيمة للأقوياء، بل حق للجميع وخدمة للجميع.
وقد أثبتت تجارب عديدة حول العالم أن الدول التي ظلت تؤجل إصلاحاتها الإدارية بانتظار الاستقرار كانت كمن ينتظر قطاراً لن يأتي. ومن يزعم أن الإصلاح الإداري ينبغي أن ينتظر نهاية الحرب، فكأنما يزعم أن المريض لا يحتاج إلى دواء حتى يشفى؛ إذ إن الإصلاح، في كثير من الأحيان، ليس ثمرةً للاستقرار، بل أحد أهم شروط صناعته واستدامته.
ودوافع الإصلاح الإداري في اليمن اليوم أشد إلحاحاً من أي وقت مضى، إذ تتضافر عوامل لا يمكن تجاهلها. فالمواطن اليمني يعيش في مدن تغيب عنها أبسط مقومات الحياة، لأن المؤسسات المعنية بهذه الخدمات تعاني من فساد وسوء تنظيم متجذرين. وبعد سنوات من الوعود الفارغة والرواتب الغائبة، فقد اليمني ثقته بأن الدولة موجودة أصلاً لخدمته، وإعادة هذه الثقة لا تتحقق بالخطاب، بل بالإصلاح الملموس. وهذا وحده يجعل الإصلاح ضرورة وجودية قبل أن يكون ضرورة إدارية. وللإصلاح الإداري مرتكزات لا بد أن تقوم عليها عملية النهوض بالمؤسسات العامة؛ فالإدارة اليمنية اليوم تتنفس، لكنها تتنفس على جهاز إنعاش، والسؤال لم يعد: هل تحتاج إلى إنقاذ؟ بل من يملك الشجاعة للبدء بعملية الإنقاذ؟










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي