ما بعد الحصار الأمريكي..هل تسبق ضربات طهران الاستحقاقات الانتخابية للخصوم؟
- عثمان الحكيمي الأحد , 30 أغـسـطـس , 2026 الساعة 1:30:20 AM
- 0 تعليقات

عثمان الحكيمي / لا ميديا -
لم يعد التوصيف التقليدي للعقوبات الأمريكية على إيران بوصفها مجرد تراكم كمي في سجل القيود المالية والتجارية كافياً لاستيعاب المشهد الراهن؛ فإعلان واشنطن، في الرابع والعشرين من أغسطس 2026 إطلاق عملية «النبذ الاقتصادي»، يشي بحقيقة ما عجزت عنه المدافع؛ إذ استهدفت الحملة نحو ستين كياناً وفرداً وسفينة، مع توسيع نطاق العقوبات الثانوية لتطال قطاعات استراتيجية كالتكنولوجيا، والأصول الرقمية، والذهب، والطيران، والشحن.
يأتي هذا الصلف الأمريكي في توقيت شديد الحساسية؛ فبعد مواجهة دامية دامت أربعين يوماً، تلتها ضربات متبادلة محسوبة، وتجميد لمذكرة التفاهم التي وُقّعت بين الرئيسين الإيراني والأمريكي، ظلت حالة «اللاسلم واللاحرب» هي السمة المهيمنة على التوتر بين إيران وحلفائها من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى. وما صدر عن دوائر القرار في واشنطن يعكس إقراراً ضمنياً بفشل الآلة الحربية في «إسقاط النظام أو فرض شروط الاستسلام بالقوة العسكرية المباشرة»، ما دفع الخصوم إلى محاولة خنق الشرايين الحيوية التي أبقت الاقتصاد الإيراني صامداً، أملاً في نقل المعركة إلى الداخل المعيشي للمواطن وإحداث انفجار اجتماعي، وهو رهانٌ يتبناه الجانب «الإسرائيلي» بقدرٍ من الاندفاع يفوق نظيره الأمريكي.
وبينما تقف طهران أمام اختبار مزدوج يجمع بين تحمل الضغوط المعيشية وثبات القيادة على رفض التنازلات، يبرز السؤال الجوهري: هل يكمن التحدي الحقيقي في قدرة واشنطن على فرض العقوبات، أم في مدى جاهزيتها لتفادي الانزلاق نحو مواجهة إقليمية شاملة لا تُحمد عقباها؟ وفي ظل سياسة التأقلم والالتفاف الإيرانية التي تدفع الخصم نحو حافة اليأس، يظل التساؤل المفتوح: هل تستمر طهران في استنزاف خصومها، أم أن خلط الأوراق سيصبح الخيار الضروري لفرض قواعد اشتباك جديدة في توقيت لا يتوقعه الطرف الأمريكي ولا الصهيوني؟ إنّ هذا الخيار قد لا يكون مجرد مناورة إذا ما بادرت طهران، بل ضربة إيرانية قوية تُنفَّذ في اللحظة الحرجة التي تسبق استحقاقات الكيان والكونجرس، لتعيد صياغة المشهد الإقليمي بالكامل وتفرض قواعد اشتباك لا تملك واشنطن أو «تل أبيب» ترف تجاهلها أو استيعاب تداعياتها الانتخابية.
إيران والحصار الجديد
لقد تجسدت العقيدة العدوانية للثنائي الأمريكي-الصهيوني عبر استحضارٍ فجٍّ لأدوات الحصار؛ إذ برز وزير الخزانة سكوت بيسنت كعرّابٍ لهذه الاستراتيجية، واصفاً مسار العقوبات بـ»الإنزال الاقتصادي»، وموظفاً خطاباً تحريضياً يتجاوز الأطر المالية ليصل إلى محاولة زعزعة الولاء المؤسسي في الداخل الإيراني، بالتوازي مع تهديدات وزير الدفاع بيت هيغسيث بالخيار العسكري، وتوظيف بنيامين نتنياهو لسرديات المظلومية لشرعنة محاولات التجويف الممنهج. إن هذا التناغم لم يكن مجرد إجراءات بيروقراطية، بل محاولة مكشوفة لتعويض إخفاق الضربات الميدانية بحصار خانق يستهدف شلّ شرايين الدولة الإيرانية ومحاولة تركيع قيادتها.
في المقابل، لم تكن طهران في موقع المتلقي؛ إذ جاء الرد متعدداً ومعقداً، يجمع بين الرفض السياسي القاطع الذي عبّر عنه الرئيس بزشكيان، والوعيد بـ»ردٍّ زلزالي» وهجمات نوعية لوّح بها القادة العسكريون والاقتصاديون، ومع ذلك، أظهرت القراءة الإيرانية وعياً حاداً بـ»الهاجس الداخلي»؛ إذ شدد محمد باقر قاليباف على أن ثبات البلاد مرهون بسلامة الجبهة المعيشية، محذراً من استغلال الأعداء للضائقة الاقتصادية لإشعال الفتن.
هذه الارتدادات لم تقتصر على طهران، بل خلقت مشهداً دولياً مشحوناً؛ فبينما اتخذت قوى كالصين وروسيا مواقف ناقدة لزعزعة أمن الطاقة، تباينت الاستجابات الإقليمية بين الحذر والقلق الأوروبي، ما حوّل «النبذ الاقتصادي» الأمريكي إلى حقل ألغام جيوسياسي. لقد أدركت طهران أن التحدي ليس في العقوبات ذاتها بقدر ما هو في هندسة بقائها وسط شبكة واسعة من الدول التي باتت رهينة لمعادلة مكلفة، إتذ تحوّل الاقتصاد إلى امتدادٍ مباشر للجغرافيا العسكرية، ما يجعل أي خطأ في الحسابات كفيلاً بإشعال فتيل مواجهة لا تملك الأطراف ترف استيعاب تداعياتها الإقليمية والدولية.
ديناميات التكيف والالتفاف
المتابع لتاريخ العقوبات الأمريكية على إيران يدرك أن واشنطن استنفدت، في مراحل سابقة، معظم أدوات الضغط التقليدية ومع ذلك، لم تسقط طهران؛ بل طوّرت، بدرجات متفاوتة، قدرة على التكيّف الجزئي عبر «أسطول الظل» والاستفادة من علاقاتها مع الصين وروسيا. لكن الجديد في عملية «النبذ الاقتصادي» هو اتساع نطاق المطاردة. فواشنطن لا تستهدف مصدر الدخل فحسب، بل تستهدف البنية التي تجعل هذا الدخل قابلاً للتحويل والاستخدام، وإذا بقيت العقوبات عند مستوى الشركات الصغيرة والوسطاء والسفن القابلة للاستبدال، فقد تستطيع إيران امتصاصها، ولو بكلفة أعلى. أما إذا انتقلت إلى بنك صيني كبير أو مؤسسة مالية مركزية، فستتحول الأزمة إلى احتكاك أمريكي صيني واسع، وقد تصبح تداعياتها أكبر من قدرة الأمريكي والصهيوني على تحملها.
وفي هذا السياق قد يبدو الربط بين تدهور المؤشرات الاقتصادية وانهيار البنى السياسية بديهياً في النظريات الخطية إلا أن التجربة الإيرانية تُقدم نموذجاً مغايراً، إذ لا يمكن قراءة المشهد الإيراني من منظور اقتصادي خطي بحت، فالرهان على أن التدهور المعيشي سيؤدي حتماً إلى انهيار سياسي هو رهانٌ يغفل عن هندسة البقاء؛ فبينما يرى الغرب في العقوبات وسيلة لإضعاف النظام، يرى النظام فيها وسيلة لإعادة هندسة الجبهة الداخلية، وتحويل العقوبات ذاتها إلى محركٍ لاستنهاض الشعور الوطني في مواجهة الآخر الذي يريد كسر إرادة الدولة. تثبت هذه المعطيات أن رهان الحلف المعتدي على الانهيار الذاتي يفتقر للواقعية؛ فالضغط الخارجي الشديد يعزز حضور التيارات المتصلبة ويدفع باتجاه مزيد من عسكرة الدولة والاقتصاد، لتتحول معركة كسر العظام الحالية إلى صراع إرادات طويل الأمد لن تجد فيه أمريكا وحليفها الصهيوني طريقاً لتركيع خصم تمرس على إدارة اقتصاد الحصار ومواجهة الهيمنة لعقود.
سيناريوهات التوقيت وتكتيكات خلط الأوراق
لم يعد السؤال المطروح في الدوائر الاستراتيجية يتمحور حول إمكانية اندلاع المواجهة، بل متى ستنطلق هذه المعركة القادمة بين إيران وأمريكا والكيان الصهيوني. إن العقوبات الراهنة ليست إلا مرحلة تمهيدية لتهيئة المسرح لعمليات عسكرية قادمة، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمؤشرات استطلاعات الرأي للانتخابات النصفية الأمريكية والاستحقاقات داخل الكيان الصهيوني؛ فإذا لاحت نُذُر هزيمة سياسية مدوية للجمهوريين في الكونجرس أو باتت خيارات نتنياهو في البقاء معدومة، فإن اللجوء لشن حرب واسعة سيصبح المهرب الوحيد للهروب إلى الأمام وخلط الأوراق السياسية عبر اختلاق حالة طوارئ عارمة.
لكن المفارقة الجوهرية تكمن في قراءة خيارات الطرف المقابل؛ فهل ستقف طهران مكتوفة الأيدي تنتظر موعد الضربة الغربية الصهيونية وفق التوقيت الذي يختاره الخصوم؟ أم أنها ستلجأ إلى قلب الطاولة عبر ضربات استباقية وموجعة تعصف بالحسابات الانتخابية داخل واشنطن و»تل أبيب» معاً؟ إن القيادة الإيرانية تدرك تماماً أن تحمل الحصار المستنزف دون مبادرة يمنح العدو فرصة ترتيب مسرح العمليات بأريحية تامة، ولذلك فإن فرضية كسر قواعد الاشتباك وتوجيه ضربة خاطفة وموجعة ضد المصالح الأمريكية ومواقع الكيان الصهيوني تظل الخيار الأكثر ألماً للعدو، لتبديد أوهام الحسم المالي وإفهام التحالف المهاجم أن محاولة إعدام شرايين طهران لن تمر دون إشعال حرائق كبرى تطال المعتدين.










المصدر عثمان الحكيمي
زيارة جميع مقالات: عثمان الحكيمي