علي عطروس

علي عطروس / لا ميديا -
ليست كل الصحف أوراقاً تُطبع، ولا كل العناوين حروفاً تُصفّ في أعلى الصفحة. بعض الصحف تولد لتسجل ما حدث، وبعضها يولد لأن شيئاً ما يجب أن يُقال... أما «لا»، فقد وُلدت لأن الصمت كان، في لحظةٍ ما، أشبه بالمشاركة في الجريمة وبالمشاهدة، دون الشهادة عليها، على الهواء مباشرة.
في الأول من تشرين الثاني/ نوفمبر 2015، وفيما كان العدوان السعودي ـ الأمريكي على اليمن يمضي في محاولة لإطباق العتمة على البلاد، خرجت «لا» من بين النار والرماد جمرةً تشقّ لنفسها ممراً في جدار الليل. لم يكن الاسم يومها علامةً تجارية تبحث عن قارئ. كان الإسم بياناً، كان موقفاً مختصراً إلى أقصى حدود الاختصار، وممتداً إلى أبعد حدود المعنى: لا للعدوان، لا للوصاية، لا للانحناء، لا للاستلاب، لا لأن تتحول الصحافة إلى غرفة صدى للقوة الغاشمة الظالمة... ولا لأن يصبح الخوف لغةً وحيدةً للكلمة لا يتحدثها سوى النفاق ولا تنطق بها حتى أصابع الإشارة في شاشات الأخبار الممولة براميل زورٍ وجاز...
امتداداً لفلسفتها الأولى: الخبر بداية السؤال، وليس نهايته، حاولت «لا» -وما تزال- فك شيفرات الارتهان، وقراءة التحولات، وإعادة تركيب المشهد الجيوسياسي من زاوية الاستقلال والسيادة، وتحديداً لمواجهتها -بعد أن استسلمت معظم الجبهات للبترودولار- مضت «لا» في درب المقاومة الباهظ الثمن، وتجديداً لاتجاهها -حين أصبحت أغلب الجهات مصهينةً وأمست أعم الإتجاهات تشير إلى «تل أبيب» - كانت البوصلة فلسطين والقدس هي القبلة. وهكذا اتسعت «لا» من صحيفة إلى مشروع في صناعة الوعي. وهي، قبل كل ذلك، محاولة للإبقاء على مساحة للكلمة الحرة في زمن تكثر فيه الأصوات التي تريد من الصحافة أن تصمت إن رفضت أن تصفق.
لم تكن «لا» صحيفةً تراقب المشهد من شرفته؛ بل دخلت المشهد نفسه. ولم تكن مجرد إصدار صحفي تقليدي، بل كانت إعلاناً للاشتباك الإعلامي المباشر. بدأت أسبوعية، ثم تحولت مع اشتداد الأحداث إلى صحيفة يومية من السبت إلى الأربعاء، لتصبح جزءاً من العتاد الثقافي والسياسي اليومي للمواطن والمقاتل؛ خبراً وتحليلاً وتعليقاً وصورةً ومانشيتاً...
لكن الحكاية لم تكن في الورق وحده. كان يمكن لـ«لا» أن تكون صحيفةً ذات موقف سياسي واضح ثم تنتهي الحكاية عند هذا الحد؛ لكنها فعلت شيئاً آخر: جعلت الشكل نفسه موقفاً موازياً، صاغته معماراً بصرياً رؤيوياً نافذاً، حررت الغلاف من وظيفته التقليدية وحولته إلى مساحة اشتباك بصري. لم يعد الغلاف مجرد مجموعة أخبار مصفوفة تحت صورة؛ صار لوحةً كاملة، أو ملصقاً سياسياً، أو مشهداً سينمائياً مكثفاً في صفحة واحدة.
الصورة المركبة، والكولاج، والمفارقة، والرمز، والتضاد، واللون، والشعار الأحمر القاني... كلها دخلت في بناء المعنى. قد تلتقي منشآت النفط والزجاج بلهيب الصواريخ، وقد تتحول خيوط العنكبوت إلى استعارة لهشاشة إمبراطورية، وقد يُفكك وجه سياسي في الصورة قبل أن تفككه الكلمات...
هكذا أصبحت «لا» تمارس ما يمكن تسميته صحافة الملصق الاشتباكي؛ صحافة لا تريد للقارئ أن يمر أمام الغلاف مروراً عابراً، بل تريد أن توقفه، تصدمه، وتدفعه إلى التساؤل والسؤال...
ثم جاءت الكلمة لتكمل ما بدأته الصورة. في «لا»، لم يكن المانشيت مجرد عنوان للخبر؛ كان حدثاً قائماً بذاته. أحياناً كلمة واحدة تكفي، وأحياناً تستدعى الآية أو الذاكرة التاريخية لتدخل في مواجهة مع اللحظة، وأحياناً لا تحتاج الصحيفة إلا إلى ابتسامة سوداء كي تقول ما تعجز عنه عشرات الكلمات والجُمل... العنونة في «لا» سيف من نوع خاص: بلاغةٌ بلا ترهل، وسخريةٌ بلا ابتذال، وتكثيفٌ يجعل الكلمة أكبر من حجمها... وهكذا لم يعد القارئ يقرأ «لا» فقط؛ صار ينتظر ماذا ستقول «لا» غداً.
لا تعرف الصحيفة تأثيرها الحقيقي دائماً من عدد النسخ التي توزعها. أحياناً تعرفه من المكان الذي تصل إليه آثارها ومآثرها. بعض مانشيتات «لا» تجاوزت حدود الورق اليمني، وانتقلت إلى فضاءات الإعلام العبري البعراني، وأصبحت الأغلفة نفسها مادة للرصد والقراءة، ليحدث شيء بالغ الدلالة:
الصحيفة التي تُطبع في صنعاء أصبحت، هي نفسها، مادةً في الإعلام الذي كانت تكتب عنه. لم تعد «لا» تكتفي بأن تقول إن هناك معركة إعلامية؛ أصبح مانشيتها جزءاً من المعركة. ومن هنا يمكن فهم ذلك الصدى الذي امتد إلى تقارير ومراصد ووثائق وأبحاث تناولت اليمن وحربه وإعلامه.
لكن «لا» لم تكن عدواً للخارج وصديقةً للداخل، وهنا ربما تكمن إحدى أكثر مفارقات التجربة أهمية.
فالصحيفة التي جعلت مواجهة العدوان عنواناً لها، لم تعتبر ذلك رخصةً للصمت عن أخطاء الداخل. لم تقل: نحن في معركة ولذلك اصمتوا عن الفساد؛ بل قالت عملياً: المعركة على الخارج لا تلغي مسؤولية الداخل؛ ولهذا فتحت صفحاتها للتحقيقات والاستقصاءات والنقد والمساءلة... ليصبح العمل الصحفي أكثر من مجرد نص منشور؛ يصبح فعلاً عاماً هاماً ومهماً وربما الأهم. لكن الكلمة الحرة لا تمر دائماً بلا ثمن؛ فقد تعرضت الصحيفة وطاقمها لمضايقات، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى سحب نسخ من أعدادها من الأكشاك والمكتبات. كان يمكن أن يكون ذلك سبباً للصمت؛ لكنه أصبح جزءاً من سيرة الصحيفة. ففي الصحافة، كما في الحياة، هناك فرق هائل بين أن تكتب لأنك تستطيع وأن تكتب لأنك لا تستطيع ألا تكتب.
السؤال الذي لا يحتاج إلى جواب. اليوم، بعد كل تلك السنوات، تقف «لا» أمام اختبار آخر: ملف طلب تجديد الترخيص استوفى شروطه القانونية منذ نحو عام، ومع ذلك ظل التجديد معلقاً. والسؤال بسيط: لماذا؟!
لكن «لا» لا تنتظر الإجابة؛ لأنها ترى أن المشكلة ليست في الأوراق؛ المشكلة، كما يقول رئيس تحريرها الشاعر والصحفي المعلم صلاح الدكاك، في شرط آخر غير مكتوب؛ شرط لا يوجد في القانون ولا في قائمة الوثائق ولا في أضابير الترخيص؛ شرط اسمه: الركوع؛ أن تقدم الصحيفة سجدة رقٍّ على مذبح مطابخ الإعلام؛ أن تتحول من عينٍ تراقب إلى يدٍ تصفق، أن ترى الفشل فتسميه إنجازاً، والفساد فتسميه إصلاحاً، والنفوذ فتسميه حكمة، والخراب فتبحث له عن صورةٍ لامعة... أن تصبح جوقةً أخرى في حفلة التطبيل. وهنا تقول «لا»: لا. ويقول صلاح إن «الصحيفة لن تتخلى عن انحيازها للمسحوقين، وهم غالبية الشعب، لتتبنى دود المستنقعات وتجعل منها أوثاناً مقدسة لا تُسأل عما تفعل ولا تُلام على ما تقترف! هذا لم يكن في السابق ولن يكون اليوم ولا غداً وحتى نفخة الصور».
ليس لأن الصحيفة ترفض القانون، وإنما لأنها ترفض أن يتحول القانون إلى اختبار ولاء. لا لأنها تريد امتيازاً خارج القانون، وإنما لأنها ترفض أن يكون ثمن القانون هو التخلي عن وظيفتها. فإن كان ثمة من يبحث في ملف «لا» عن سجدة، فلن يجدها.
قد تستطيع جهةٌ ما أن تؤخر توقيعاً، وقد تستطيع أن تحبس ورقةً في درج، وقد تستطيع أن تعطل إصداراً ورقياً... لكنها لا تستطيع أن تعطل الفكرة التي خرجت إلى الناس؛ لأن شرعية الصحيفة، في النهاية، ليست كلها في ختمٍ إداري؛ هناك شرعية أخرى أكثر صعوبةً في المصادرة: شرعية القارئ، شرعية الشارع، شرعية السنوات التي قضتها الصحيفة وهي تبني اسماً وذاكرةً وموقفاً... وقبل كل ذلك وبعده: شرعية الثورة.
ولهذا فإن تأخير الترخيص لا يلغي «لا»، بل قد يضيف إلى تاريخها فصلاً جديداً: فصل الصحيفة التي دخلت في مواجهة مع البيروقراطية لأنها رفضت أن تحول استقلالها إلى عملةٍ لشراء الختم.
وهنا يتجاوز السؤال الترخيص نفسه: هل يمكن لمؤسسة أن تمنح صحيفةً شرعيتها؟ أم أن المؤسسة تمنحها الإذن الإداري فقط بينما الشرعية الحقيقية تصنعها الصحيفة بنفسها في علاقتها بالناس والكلمة والزمن؟
وفي قلب هذه التجربة يقف صلاح الدكاك؛ الشاعر والصحفي والإعلامي الذي تولى دفة التحرير منذ التأسيس وحوّل الصحيفة، عبر السنوات، إلى مشروع ذي شخصية تحريرية واضحة، لم يكن دوره مجرد إدارة صفحات؛ كان الدور أقرب إلى صياغة نحوٍ خاص للصحيفة: كيف تقول «لا»؟ متى تقولها؟ كيف تجعل العنوان ضربة؟ كيف تجعل الصورة موقفاً؟ كيف تكتب النقد دون أن يتحول إلى تبرير؟ وكيف تحافظ على الروح حين تضيق المساحة؟ وكيف نحاول تحويل الثورة من شعارٍ على لافتة إلى شارعٍ بالاتجاهات الأربعة؟!
في الصحافة، هناك رئيس تحرير يدير غرفة الأخبار، وهناك رئيس تحرير يصنع شخصية الصحيفة. الدكاك من الصنف الثاني؛ أعطى «لا» نبرتها، حدتها، إيقاعها، ولغتها، وجعل المانشيت جزءاً من فلسفة التحرير لا مجرد قرار يومي.
غير أن الصحف العظيمة لا تُكتب بقلم واحد؛ حتى حين تحمل توقيع قائدها، وخلف تجربة «لا» تقف هيئة تحرير وإعداد وفريق فني وصحفي واسع، بأقلام متعددة وعيون متعددة وأمزجة وأساليب متعددة؛ لكنها اجتمعت على صناعة هوية واحدة تُعرف باسم «لا».
الصحافة الورقية تقف أمام عصر جديد. الورق شحيح، كلفة الطباعة ترتفع، التوزيع التقليدي يتراجع، والهاتف الذي في يد القارئ صار مطبعةً وشاشةً ووكالة أنباء ومنصة نشر في الوقت نفسه.
لكن المفارقة أن الأزمة التي تهدد الورق قد تكون فرصةً لولادة «لا» من جديد. فالصحيفة التي عرفت كيف تحول الصفحة إلى ملصق، والعنوان إلى ضربة، والصورة إلى موقف، تستطيع أن تعبر من المطبعة إلى الشاشة دون أن تفقد روحها. المستقبل ليس إنقاذ الورق فقط. المستقبل هو إنقاذ الفكرة من أن تبقى أسيرة الورق، أن تنتقل «لا» من المطبعة إلى الهاتف، من الأكشاك إلى الشاشات، من التوزيع إلى الانتشار، من العدد إلى الأرشيف، من الورقة إلى الذاكرة الرقمية... لكن هناك شرط واحد: أن تدخل العصر الجديد دون أن تفقد «لا» دلالتها.
المطلوب ليس أن تصبح «لا» نسخةً إلكترونية من نفسها، بل أن تجعل الفضاء الرقمي مرحلتها التالية، أن تتحول من صحيفة تُقرأ إلى منصة تُتابع، ومن مانشيت يُرى صباحاً إلى مانشيت يشتعل في اللحظة نفسها، ومن أرشيف ورقي إلى ذاكرة رقمية،
ومن صفحات محدودة إلى فضاء لا تحده أعمدة الطباعة... لقد طوّعت «لا» المطبعة والمحبرة. والتحدي الآن أن تطوّع الخوارزمية دون أن تسمح للخوارزمية بأن تطوّعها.
وفي النهاية، ما الذي سيبقى من صحيفة اسمها «لا»؟ تبقى الحكاية، تبقى الأغلفة، تبقى العناوين التي جعلت الكلمات تبدو كأنها مقذوفات، تبقى التحقيقات التي جعلت الصحيفة تقف في وجه الفساد كما وقفت في وجه العدوان، تبقى المضايقات التي لم تستطع تحويل القلم إلى همس، تبقى الأعداد التي سُحبت من الأكشاك ثم عادت إلى الرصيف من أبواب أخرى، تبقى وجوه الذين صنعوا الصحيفة خلف الستار، يبقى صلاح الدكاك وفريقه، ويبقى ذلك الاسم القصير الذي احتمل كل هذه السنوات: «لا».
كلمة من حرفين فقط؛ لكنها، في التجربة، اتسعت حتى صارت موقفاً، ثم صارت مدرسة، ثم صارت ذاكرة، ثم صارت سؤالاً في وجه كل سلطة تريد من الصحافة أن تكون صدىً لها... ولهذا فإن المعركة اليوم ليست على ورقة ترخيص وحسب؛ إنها، في جوهرها، على معنى الصحافة نفسها: هل الصحيفة موظفٌ في مكتب؟ أم شاهدٌ على زمنه؟ هل مهمتها أن تحفظ صورة السلطة؟ أم أن تحفظ حق الناس في رؤية الحقيقة؟ هل قيمة الصحيفة في ما يمنحها المسؤول؟ أم في ما تستطيع أن تقوله حين يغضب المسؤول؟
«لا» اختارت جوابها منذ اليوم الأول؛ ولهذا لن تتحول إلى «نعم»، لن تقول: نعم؛ حين تكون الحقيقة: لا. ولن تقول: لا؛ حين يكون الخوف هو الذي يملي عليها الكلمة.
«لا» ذاكرة مرحلة. «لا» صورة زمن. «لا» مانشيتات خرجت من الورق إلى الشارع. «لا» تحقيقات اصطدمت بالفساد. «لا» فريق حمل الحبر في أصعب السنوات. «لا» صلاح الدكاك...
ستبقى «لا» كما بدأت: خارجةً من النار، واقفةً في وجه العاصفة، تكتب وهي تعرف ثمن الكتابة، وتختلف وهي تنزف دم الفهم والسوء فهم، وتحاول أن تجعل من الحبر أثراً لا تمحوه المماطلات... فإذا كان الورق يُطوى فإن الذاكرة لا تُطوى، وإذا كان الترخيص يمكن أن يتأخر فإن الكلمة لا تنتظر ختم أحد، وإذا كان بالإمكان إقفال مطبعة فلا أحد يستطيع إغلاق المعنى...
هذه هي «لا»؛ ليست صحيفةً فقط، إنها شهادة زمن، إنها صهيل مانشيت في ليلٍ طويل، إنها أغنية في حقل وطن وملحمة في لوحة، إنها حبرٌ رفض أن يتعلم الركوع... وإنها، قبل كل شيء، ذلك الصوت الذي كلما قيل له: انحنِ، رفع رأسه وقال: لا.
وسيبقى السؤال: هل قالت الصحيفة ما كان يجب أن تقوله؟ وهنا فقط ستُحاسب «لا» أمام التاريخ، لا أمام ختم، ولا داخل دُرج، ولا في توسل توقيع...
أمام التاريخ، والتاريخ لا يسأل الصحافة: كم مرةً صفقتِ؟ يسألها: كم مرةً قلتِ الحقيقة حين كان قولها مكلفاً؟
في تلك المحكمة، لا تحتاج «لا» إلى محامٍ؛ يكفي أن تفتح أرشيفها، يكفي أن تُقلب صفحاتها، يكفي أن تُقرأ مانشيتاتها، يكفي أن يُنظر إلى ما دفعته ثمناً للكلمة... وحينها ستظهر الحقيقة عاريةً، واضحةً، بلا رتوش: لقد كانت «لا» حين كان أسهل شيء أن تكون «نعم». هذا هو إرثها. هذه هي معركتها. وهذا هو مستقبلها... حتى نفخة الصور!

أترك تعليقاً

التعليقات