الكرامة هنا دين
 

مجاهد الصريمي

مجاهد الصريمي / لا ميديا -
قبل أنْ يطغى عليك الضجيج الترامبي، ومفاعيل الحدث المرير الذي طال (فنزويلا) فتنسحب إلى مربع الهزيمة، وتعيش حالة من الخوف والرعب في ظل عالم ليس فيه سوى قانون الغاب، قانون أميركا الشيطان الأكبر، قانون الهيمنة المطلقة، وتظل تقول: اليوم في فنزويلا البوليفارية الحرة المقاومة وغداً أين؟ فشهية المجرم ترامب مفتوحة على إسقاط المزيد من البلدان الحرة. وبالتالي تنجر إلى ما يروجه إعلام الاستكبار، ويحتفي به أعراب الانبطاح المستنفط الموهبن المتصهين بالوراثة، والذي يقول: إيران هي المحطة التالية للطغيان الأمريكي؛ عليك أن تعلم: أن إيران الثورة تنطلق من ثقافة تؤثر الموت بعزة، على الحياة بمذلة وهوان. ثقافة الرفض، ثقافة التشيع الأحمر.
نحن لا نقول ذلك من باب الامتلاء الكاذب، ولا نقصد بمثل هذا الطرح النيل من مدرسة اليسار، ولا الانتقاص من أحرار الأمم والشعوب الأخرى؛ وإنما نقول ذلك كحقيقة تاريخية جرت مجرى الزمن، فكانت حاضرة في الماضي، ممتدة إلى الراهن، لها نماذجها من كربلاء إلى كرمان، ومن طهران إلى الضاحية، ومن بغداد إلى صنعاء، وراجع التاريخ، ستجد أنه لا يوجد شيعي ولا من يعد من آباء التشيع قدم سلامته على كرامته.
فهناك إمام الثوار، ومعلم الكرامة، إمام مدرسة التشيع الأحمر وأبو الشهداء الإمام الحسين خير بين البيعة والقتل، فاختار القتل، ورفض أن يشتري الحياة بذل الموقف.
وبعده سترى سليمان بن سرد الخزاعي والتوابين يقاتلون حتى يفنوا عن آخرهم، ومثلهم المختار الثقفي الذي كما سليمان اختار المواجهة، وفضل القتال على أن يذبح كالخروف بيد أعدائه. وامتدت التجربة حتى تجلت بعد ذلك على يد الإمام الشهيد زيد بن علي الذي قتل وصلب في شوارع الكوفة، ولم يسلم نفسه طلبا للعفو، ولم يسمح للحاكم أن ينظر في حالته.
لم يقتصر هذا النهج على الفقهاء، بل وصل حتى إلى الشعراء، فدعبل الخزاعي خير شاهد على هذا الوعي الثوري، بل حتى المتنبي، والذي يعد شيعيا في الميل والهوى، قتل بسبب قصيدته الشهيرة: الخيل والليل والبيداء تعرفني، إذ التزم بما قاله شعرا، فعاد إلى القتال وقتل هو وابنه في المواجهة رغم أنها لم تكن متكافئة.
وفي العصر الحديث، بقي السيد حسن في الضاحية الجنوبية ولم يغادر لبنان حفاظا على حياته، رغم علمه بأن استهدافه بات قريبا ومؤكدا، حتى قال كلمته الشهيرة: كيف لي أن أطالب اللبنانيين بالثبات وأنا خارج لبنان؟
هؤلاء هم الشيعة. وفي المقابل، تاريخيا لدينا أمثلة واضحة على تقديم السلامة على الكرامة، فهذا عمرو بن العاص كشف عورته لأمير المؤمنين أبي الحسن ليتخلص من سيفه. ومثله الذين قتلوا الإمام الحسين من الأمويين، استسلموا جميعا للمختار الثقفي طلبا للعفو، بعد أن فقدوا القدرة على المواجهة. وفي العصر الحديث، وجد أحدهم في حفرة من دون أن يرفع سلاحا بوجه أعدائه، ومثله آخر اختبأ في ماسورة مجار خوفا من القتل.
وأخيراً؛ فإن الإشارات أو التلميحات حول إمكانية تطبيق رؤية ترامب على المراجع والقادة الشيعة ليست مطروحة، لا واقعا ولا حتى خيالا، وترامب نفسه يدرك هذه الحقيقة، فهذا التاريخ يقول بوضوح إن الشيعة لم يكن فيهم من خان أو استسلم حفاظا على سلامته، بعكس آخرين امتلأ تاريخهم بعشرات حالات الاستسلام للعدو مقابل النجاة بالنفس، فالكرامة هنا دين.

أترك تعليقاً

التعليقات