بين الوعي واللاوعي
 

مرتضى الحسني

مرتضى الحسني / لا ميديا -
بين الوعي واللاوعي نهر من الدم لا يسقط بالتقادم أو النسيان، فهو ليس بيتاً من قصيدة يمكن حذفه أو الاستغناء عنه أو تبديله، وليس صفحة من كتابٍ أصفر يمكن تمزيقها أو تمزيق ذلك الكتاب، بل هو فيضٌ من الأفكار القادرة على تفجير خلجات الأنفس والعقول للمضي نحو التمكين العقلي والمعرفي للنهوض بكل ما تسمو به النفس البشرية من إبداعات فكرية سياسية دينية نهضوية وتحررية على فناء إقليم معين.
إذن، لخلق هذه الإبداعات أو المعجزات، إذا صحّ التعبير، فنحن بحاجة إلى تحولات معرفية تهدف إلى إنشاء حالة نضج تعمل على دمج كل تلك العناصر لتمكن من إنتاج ثورة تصنع تلك التحولات المحورية القادرة على فرض معادلاتٍ لا يمكن تجاهلها في الساحة العالمية، بل ويحسب لها ألف حساب.
كلُّ هذا -وبدون أدنى شك- يحتاج إلى شخصية عبقرية واستثنائية لتنمي ذلك النضج المعرفي المتكامل في الموافقة بين كل تلك العناصر فينتج حالة من الوعي النهضوي والتحرري الصادق والمحسوس من كل فئات المجتمع، البسيطة منها قبل المثقفة، كما تهدف إلى ترسيخ ثقافة تُصيّرُ المستحيلات ممكنة.
ومثل ذلك شخصيةُ الشهيد القائد السيد حسين بدر الدين الحوثي الذي تمكن ببراعة -تكاد تنعدم مثيلتها- من إطلاق مشروع فكري سياسي ديني نهضوي وتحرري منبعه القرآن الكريم، بالرغم من انعدام الإمكانيات اللازمة مالياً وشعبياً وجغرافياً. إلا أنّ التأييد الإلهي كان أكبر داعميه، إن لم يكن الوحيد، فسانده في زرع الوعي الأمثل بين البسطاء أولاً في ظروفٍ يبلغ اللاوعي أقاصي ذُراه، وفي تهيئة الأحداث وإيضاحها بين المجتمع ثانياً.
أربع سنوات -تزيد أو تنقص- كانت الفترة التي قضاها السيد حسين في الدعوة لمشروعه القرآني من بين أوساط طلابه وأهل بلدته في أقاصي محافظة صعدة. ومع كل فترة كانت حالة الوعي تزداد بين الناس فيزيدون معه، فشكل ما يشبه زلزالاً يهز كيان اللاوعي الذي بدوره استمات في تجميع أجزائه والانقضاض على الشهيد القائد ومن معه في حربٍ غير متكافئة الأطراف والإمكانيات جاهداً لنسف هذا المشروع وما يحوزه من أفكارٍ وأنصار.
نعم، بكل عظمةٍ وإباء استشهد السيد القائد، ونحن الآن نعيش الذكرى السابعة عشرة لاستشهاده؛ ولكن الوعي الذي غرسه بين الناس ووطدته التضحيات الجليلة لم يتضعضع، بل صقلته السنون والحروب ليزداد بريقاً ولمعاناً حتى أصبح المفردُ جمعاً والقلةُ أمة، فنحن اليوم بعظمته أضحينا رقماً صعباً على الساحة الإقليمية وفي حالة متطورة تزداد وعياً فوق وعي، وحتى مع كبر اللاوعي وانتقاله من الإطار المحلي إلى الإطار العالمي، إلا أنه يبقى خائباً ومنكسراً طالما كانت هناك سواعدٌ تصده وتقف في مرصادِه.

أترك تعليقاً

التعليقات