الجنس بين أروقة السياسة
- مرتضى الحسني السبت , 14 فـبـرايـر , 2026 الساعة 6:45:41 PM
- 0 تعليقات

مرتضى الحسني / لا ميديا -
لم تهزّ فضيحة جيفري إبستين السياسة العالمية لأنها كشفت انحرافاً فردياً، فالعالم اعتاد سقوط الأفراد، بل لأنّها أزاحت الستار عن تزاوجٍ فاضح بين السلطة والغريزة، بين قرارٍ سياديٍّ وجسدٍ مستباح. فلم تعد القضية محض جنسيةً، ولا جنائيةً صرفة، وإنّما تحوّلت إلى اختبارٍ أخلاقي شامل لنظامٍ سياسي لطالما قدّم نفسه حارساً للقيم فإذا به يكون أكبر منتهكيها.
جيفري إبستين لم يكن مجرّد رجل ثريٍّ منحرف، بل كان حلقةً في شبكة نفوذ أوسع، تُدار ببرودة أعصاب لا تعرف العاطفة. الحديث عن ارتباطه بدوائر استخباراتية، وتحديداً توصيفه كـ»أصلٍ استخباراتي» لا كعميلٍ تقليدي، يفتح باباً لفهم مختلف لطبيعة الدور؛ فالأصل لا يتلقى الأوامر؛ لكن يُستثمر. فخلفيته العائلية، وصلاته السياسية، وعلاقاته مع شخصيات بارزة في كيان الاحتلال، بينها رئيس الوزراء السابق إيهود أولمرت، ما كانت تفاصيل هامشية؛ لكنها عناصر في معادلة تُسيّرُ النفوذ الاجتماعي والمالي لحيازة أهداف تُمسكُ في اليد حقيقةً لا خيوطاً تُجمع من هنا أو هناك.
غير أنّ جوهر القضية لا يكمن في هوية الارتباطات بقدر ما يكمن في توظيف الملفات فتلك الوثائق ليست أرشيفاً للفضائح، بل بنك للابتزاز؛ إذ إنّ من يملكها لا يحتاج إلى دبابات ولا عقوبات، فصورة واحدة أو شهادة واحدة تكفيه لإعادة توجيه سياسة دولة، أو كسر إرادة زعيم، أو ضمان صمت برلمان... من هنا يتحوّل الابتزاز إلى أداة حكم تصبح معه الأخلاق عبئاً لا ضرورة تُغنّي على هوى المصالح.
الفظائع التي تكشفها هذه الملفات لا تقف عند حدود الجريمة، إنما تتجاوزها إلى فضح نفاقٍ مزمن. فالدول التي رفعت راية حقوق الإنسان، وصدّرت خطاب حماية الطفولة، وضجت المنابر عن القيم العالمية، وجدت نفسها عاجزة عن حماية أبسط الضحايا حين كان الجناة من نخبها؛ إذ الصمت هنا ليس حياداً، بل مشاركة ضمنية، والتبرير ليس دفاعاً، بل إدانة مضاعفة.
هذه التسريبات لا تُقرأ بوصفها اندفاعاً أخلاقياً مفاجئاً، بل كفعلٍ سياسي محسوب. فمما نُشر لم يكن كلّ ما ارتُكِب هناك، وما كُشف لم يكن كلّ ما عُرف؛ كون الإعلام لعب دوره المعتاد: يضخّم هنا ويخفّف هناك، يقرّب أسماءً ويُبعد أخرى. ففي الولايات المتحدة جرى التعامل بحذرٍ مع ظلٍّ يقترب من دونالد ترامب، بعكس ما جرى في بريطانيا حيث بدا الأثر أقسى على كير ستارمر وحزبه، رغم غياب اسمه عن الوثائق؛ وذلك بسبب الانتقائية؛ فهي ليست خطأ مهنياً، بل خيار تحريري يخدم موازين القوى.
يبقى السؤال الأخطر معلّقاً: أين بقية الملفات؟ ما أُفرج عنه بحسب الروايات المتداولة لا يتجاوز نصف الأرشيف. نصفٌ آخر ما زال حبيس الأدراج، تُغطّى فيه أسماء سياسية من الصف الأول، وتُدار حوله مساومات صامتة. فحين تُجزَّأ الحقيقة تفقد براءتها، وتدويرها حسب التوقيت يُصيّرها أداة تخدم الأجندات، لا قيمة لها في معايير الأخلاق وموازين القيم الإنسانية والأخلاقية.
عموماً فإن قضية إبستين لم ولن تكون حادثةً عابرة، بل مرآة لنظامٍ سياسي عالميٍّ يسمح للجريمة أن تزدهر حين تخدم المصالح، ويؤجل العدالة حين تُربك السلطة. بين الجنس والسياسة تتكشف حقيقة واحدة لا لبس فيها: ما يُدان عند العامة، تُديرهُ النخب في الخفاء. والسؤال لم يعد: من ارتكب الجريمة؟ بل: من سمح لها أن تستمر؟ ومن لا يزال يملك مفاتيح الصمت؟










المصدر مرتضى الحسني
زيارة جميع مقالات: مرتضى الحسني