عبدالفتاح حيدرة

عبدالفتاح حيدرة / لا ميديا -

قبل كل شيء أسأل الله أن يوفقني وإياكم ويهديني في هذه القراءة لشرح وتوضيح إمكانية إيجاد رؤية لإصلاح وضع وسائل مواقع التواصل الاجتماعي، وتطوير عملها وتحويل أدائها السلبي وتعبئتها النفسية المعززة للجهل إلى أداء وعمل إيجابي ينتج وينشر وعياً جمعاًي وجماعياً لمعرفة هدى الله، وقيم كتاب الله، وتساند وتدعم مشروع الهوية الإيمانية بمسيرتها القرآنية ونفحتها اليمنية.
قبل اختراع مواقع التواصل الاجتماعي كانت دوائر العلاقات أضيق مما نريد، وبعد اختراع هذه المواقع أصبحت أوسع مما نحتمل، وأصبح الحوار مع بعض رواد ومتابعي مواقع التواصل، الذي في العلن والذي في السر، أشبه بالسباحة في وحل الجهل والغباء والحماقة والكيد والدسيسة، وباختراع مواقع التواصل الاجتماعي هذه أصبح لدينا أرشيف دائم للسخافات والحماقات.
من هذا الباب تحديت نفسي وقلت أجرب وأثبت لكم حقيقة الاستفادة من سلبيات هذه المواقع وتحويلها إلى إيجابيات لا حصر لها، فقمت بتجربة عملية وهي أن أكتب لجمهوري في صفحتي الفيسبوكية شيئاً جديداً ومختلفاً عن مقالات الوعي، واخترت بعناية تامة الكتابة عن أنواع الحب، كونها مادة قريبة من قلوب كل الناس، فوجدت التفاعل شبه معدوم مع منشور الحب الجديد.
ما أريد إثباته لكافة المسؤولين والأصدقاء والمتابعين وجمهور مقالات الوعي ولكل مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، هو أن يجرب كل واحد بنفسه هذه التجربة، اكتب لجمهورك عن حاجة جديدة، لم يألف منك الكتابة عنها، ولا يتوقع منك أن تكتب عنها، سوف تلاحظ اختفاء تفاعل جمهورك مع ما تكتبه، وإن تفاعل فقليل جدا ولا يعير ما كتبته أي اهتمام، ويجد فيه تناقضك الكبير، وقد يحكم عليك مباشرة بالانحراف، أما المتابعون بصمت فقد يحللون ما كتبته على هواهم ونظرتهم لك، والتقييم الرسمي أو السري لك.
لكن وخارج سياق المشاعر والمصالح الإنسانية والرقابة الأمنية أو الشخصية، يمكن أن نتحدث عن أثر اختراع مواقع التواصل على آليات الكتابة والنشر في العالم، فبعد أن كان ثمة رواسخ في طريقة الكتابة والتداول المعرفي، جاءت مواقع التواصل الاجتماعي، لذا يجب أن نبحث عن أسباب أخرى تدين الظاهرة السلبية التي نعيش مأساتها في هذه المواقع، ونخشى استشراء سلبياتها في مجتمع شعبنا ومجتمعات شعوب أمتنا.
إن محاولات البعض وضع ظاهرة الميوعة الدينية والأخلاقية والفكرية والثقافية والاجتماعية في نشاط صحفي أو مفسبك في مواقع التواصل من عدمه، ليست من الدقة في شيء، فهذه المواقع هي التي جعلت اليوم الجميع مع الجميع وبعيدا عنهم في الوقت عينه، وهذا لا يعني أني أقول إن مواقع التواصل لا تأثير لها في حالة ضمور التواصل الواقعــي وغيــــــاب الوعي، لكنها ليست السبب الوحيد، بدليل وجود الظاهرة قبل وجود هذه المواقع بالأساس.
هذا يوجب علينا أن نبحث في الأسباب الأخرى الضاغطة على نفسية الجمهور، سواء كانت أسباباً شخصية أو دينية أو اقتصادية أو سياسية أو ثقافية أو اجتماعية، وبالنتيجة مهما كانت، فإن الخطورة لا تكمن بالأساس في هذه المواقع، بل في أجندة ومصالح وحاجات وسائل التواصل نفسها، سواء كانت وسائل تواصل سياسي أو ثوري أو رسمي أو اجتماعي، أو غير ذلك من الوسائل التي تحتم وتفرض على الجميع الاتصال الاجتماعي.
إن الأدوات والوسائل المحركة لمواقع التواصل ليست سوى مجرد عامل من عوامل عديدة، يمكن أن تسهم بشكل كبير في تسهيل نشر الوعي والتعلم والمعرفة والتواصل والتعرف والتعريف على ثقافات عديدة، مما يرسخ أفكاراً تفتح لك نوافذ تنشر الوعي في القول والعمل الديني أو السياسي أو العسكري أو الأمني أو الفكري أو الاجتماعي، فتكون مواقع التواصل ووسائلها على المديين المتوسط والبعيد آلية لنشر الوعي بهدى الله، وهو الوعي الذي تقاتل وتضحي من أجل ظهوره وتبحث عنه وتريد أن يكون هو الوعي العام الجمعي والجماعي لشعبك وأمتك وللإنسانية كلها.
إن مواقع التواصل هي مجرد أدوات، والأدوات بحاجة لوسائل، وهنا لا أنفي أن لها جوانب سلبية كغيرها من المواقع والأدوات والوسائل، فيمكن للطفل أن يقتل أخاه بسكين المطبخ (وسيلة)، لكن ليس كل طفل يفعل هذا الأمر، فقط الطفل غير السوي أو المُهمل من الأب والأم، أو المضغوط بشكل لا يمكن احتماله وتوقعه من المشاهد التي يشاهدها في وسائل الإعلام المختلفة، ومستخدمو مواقع التواصل لديهم تلك الضغوط التي تم نشرها وتكررها الصفحات الناشرة للجهل.
العبرة في النهاية بالتعبئة النفسية والعقلية والظروف المحيطة بمستخدمي مواقع التواصل وموجهي وسائل التواصل الاجتماعي، فالإنسان الذي لديه الوسائل الجيدة والأدوات الواعية يصبح هو المحرك لهذه المواقع، وهو القادر على الاستفادة منها، بقدر ما تتيح له أدوات التواصل الواعية معه من إمكانيات معلوماتية وتوجيهية ومادية ومعنوية.
أما أن يترك الناس على عماهم للكتابة في صفحات هذه المواقع وكلا يغني على ليلاه، فلن يكتبوا إلا عن التأثيرات السلبية المحيطة بهم في واقعهم الفعلي وواقعهم الافتراضي، ولن تكون لديهم مادة يكتبون عنها وفيها في هذه المواقع سوى ما يؤجج الآثار السلبية على الإنسان ومحيطه المجتمعي كله، وما يجعله جاهلاً وغير سوي أيضا، فيصبح كل ما يكتبه جهازاً يتحكم في تعبئة نفسيته، وجهاز التحكم النفسي هو الذي يحول عقله ونفسيته مع الوقت لمجرد ترس لما يريده عدوه وعدو مجتمعه وشعبه ووطنه وقيادته وجيشه وأمته ودينه وأخلاقه ومشروعه.
بالتأكيد ليس دور أدوات التواصل أن تجلس على مواقع التواصل تعبر عن رأيها ورؤيتها، بل دورها أن تقود الجماهير من خلال تنظيمات لها رؤية واضحة وبرنامج محدد ومشروع ثابت، وقبل أن تطالب جماهير مواقع التواصل بتحرك أو نشاط ما لا بد أن تكون هي في المقدمة تقودهم وتحتويهم، لكن أن تعلن رأيا هنا وتطلق رأيا هناك، ثم بعد ذلك تتهم الشعب كله بالكسل أو الجبن، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على عدم فهم لحقيقة الأدوار وتحمل المسؤولية، سواء دور الجماهير أو حتى دور أدوات التواصل، وحين نخطئ في التشخيص وتحديد الأدوار ونلقي باللوم على جماهير مواقع التواصل، فإننا لن نصل لعلاج حقيقي يساهم في حل المشكلة.
الشعب اليمني وبوعيه واجه تحالف العدوان، وهو يُقتل، وصبر وصمد وتحدى وجاع ولا يزال ثابتا على هذا منذ 6 أعوام متواصلة من أجل التغيير الواعي، بينما أدوات التواصل والنخبة السياسية وأصحاب المصالح تتصارع فوق آلامه وأوجاعه، فكنا أمام مئات الآلاف من مدعي التغيير في مواقع التواصل، لا فرق كبير بينها وبين جهل وغباء مرتزقة العدوان، ناهيك عن تكتلات وشلل التطبيل والفساد والفشل، ولا خلافات حقيقية بين كل ذلك، سوى في رغبات الزعامة والنجومية الزائفة، ولم تستطع أدوات التواصل والتنسيق مع ناشطي المواقع أن تتوحد لتحقيق مطالب نشر الوعي وطموحات الشعب في كشف وتعرية العدو.
ثم بعد ذلك تجد أن أدوات التواصل هذه في كل مؤسسات الدولة وخارجها التي فشلت فشلا ذريعا في أداء مهمتها تلوم جماهير مواقع التواصل والشعب كله تتهمه بالكسل والجبن واستمراء العبودية والتبعية والارتهان، وهذه التهم ذاتها دليل فشل، فالشعب هو ذخيرتك، كيف تهاجمه وتتهمه بالجبن والخمول وهو الذي استمر في صبر وتحدٍّ وثبات لمدة ست سنوات، ثم بعد ذلك تريده أن يكون ظهيرك؟!
يا سادة، لقد أصبحت مسؤولية الكاتب في ظل ثورة الاتصالات أشد خطورة، نظرا لاتساع دائرة مستهلكي المنتج الثقافي عبر منصات التواصل الاجتماعي، فلم يعد التواصل محصورا في فئة القراء الباحثين عن الكاتب والكتاب، وهؤلاء في الغالب يكونون على درجة من الوعي تمكنهم من الفرز والقبول والرفض، لكن في الوقت الحالي وجد الكاتب نفسه أمام ساحات جديدة كل الجدة، لقراء ليسوا بقراء بالمعنى التقليدي، بل هم ملتهمو وجبات الثقافة السريعة المتمثلة في بوست منشور هنا، أو بالكثير مقال مكتوب هناك، ولا طاقة لديهم لإعادة النظر والبحث وبذل مزيد من الجهد المعرفي، وبالتالي زادت مسؤولية الكاتب ووجب عليه أن يتحرى الدقة فيما يكتب بشكل أكثر من المعتاد، وأن يعرف إلى من يوجه رسالته وكيف يوجهها، خاصة حين يكون المنشور جادا وفي قضية هامة.
إن قُرّاء مواقع التواصل الاجتماعي في الغالب لن يقفوا للتدقيق، فإن راقهم المنشور سوف يقبلونه فورا، وإن رفضوه سيهاجمونه دون تمهل، سواء كانت لديهم الحجة في القبول أو الرفض أو لم تكن ثمة حجة على الإطلاق. حين تكتب مقالا لجريدة أو مجلة أو تكتب كتابا، فأنت كمن يجلس في مكتبته ويكتب على طاولته بهدوء، أما حين تكتب منشورا لمواقع التواصل الاجتماعي، فأنت أشبه بمن يكتب على عجل في محطة قطار صينية وتريد من الجميع أن يتفهمك فورا.

لقد كشفت مواقع التواصل الاجتماعي أحد أكبر عيوب تفكيرنا، وهو البحث عن إجابات ثابتة وقاطعة لأمور غير ثابتة ولا تقبل القطع، ففي الحياة العادية قبل ظهور مواقع التواصل الاجتماعي كان الناس مستترين، ومجال المقارنات بينهم محدداً ومعروفاً، يمكن إجراء مقارنات في الفلوس والمال وفي المستوى الاجتماعي والقبلي وفي المستوى التعليمي والعلمي، لكن مواقع التواصل أظهرت مجالاً جديداً للتنافس والمقارنات، وهو الكتابة. واحد يكتب بشكل تعبيري ملفت ويوصل فكرة فتجد التفاعل يزيد ويصبح شخصاً معروفاً وربما مشهوراً أيضا، وآخر ليس له في الكتابة تجده لا يستطيع أن يجلس هكذا مثل كيس الجوافة، فيتحايل على الكتابة بنشر كل ما تلقطه عيناه من صفحات الآخرين وينسبه لنفسه، ليبقى موجوداً في عالم مواقع التواصل، وآخر يجد التفاعل أو الشهرة في كتابات العواجل الكاذبة، وآخر في مناقلة النكت البايخة، وآخر في مشاركة ما يكتبه الناس...
التفاعل الأخطر في مواقع التواصل هو التفاعل مع الآخر الحقيقي، أو التجهيلي المتعمد، وهو الذي يجد الشهرة والتفاعل في الكتابات أو الفيديوهات عديمة الأخلاق والقيم وتمس بالسوء المبين دين وعادات وتقاليد مجتمعه وشعبه وأمته، وتروج للرذائل والخيانات والفتن والقتل والتجزئة وتبرير كل الجرائم تحت عباءة حرية الرأي والتعبير! هنا تجد أن سياسة مواقع التواصل تروج لكتابات وأصوات هذا النوع مرتين (مرة إيجابا ومرة سلبا)، إيجابا بتركه يسهب في ما يقوله ودفع جماهير مواقع التواصل لرؤية صفحته وكأنها دعوة للتوافق معه، وسلبا في مواجهته ونقده والرد عليه بتصوير ما كتبه وإعادة نشر ما يكتبه ومهاجمته بجهل، يساهم في رفع رصيد شهرته عند الناس.
هذا النوع التجهيلي لا يحتاج لمواجهته وتحييده غير شيء واحد، وهو دعم ومساندة ظهور وبروز أصوات الوعي والأخلاق، وسوف يسقط تلقائيا من وعي الناس، ففي مقابل التفاعل السيئ والشهرة السلبية مع النوع التجهيلي، ينعدم التفاعل المعنوي والإيجابي مع الكتابات التشخيصية والتحليلية المطولة التي تقدم الوعي وتغذي العقول والأفكار وتحارب انهيار القيم والأخلاق وتفند الأفكار المضللة وتكشف سوق نخاسة التجهيل، لهذا استخدمت بل واخترت مواقع التواصل الاجتماعي لتستخدم تحديدا وقت الربكة والقلق والخوف، وهذه الأوقات هي أوقات الحروب، وهنا علينا أن ندرك أن كتابات الوعي في مواقع التواصل أثناء الحروب تشبه العمليات الجراحية، فعلى الرغم من كونها مؤلمة وخطيرة، إلا أنها ضرورية ولا بديل لها للشفاء.
الحقيقة أني لا أدري ما بال عشاق الوظائف والكراسي والمناصب في مشروع المسيرة القرآنية، وما هي حاجتهم من قتال ومحاربة وتهميش ونبذ الكتابة عن الوعي أو بوعي في مواقع التواصل الاجتماعي، وعلى أشياء لا تساوي في مراكز نفوذهم وسلطاتهم وثرواتهم جناح بعوضة، هل لأنهم يعلمون أن هذه المسيرة تؤكد عليهم وتلزمهم أن حوائج الناس إليهم من نعم الله عليهم، ويريدون أن يتنصلوا عن هذا الواجب وهذا الالتزام؟! فالوعي والأخلاق الذي نلتمسه ونعايشه وفخورون به، وصامدون وثابتون عليه قدمه لنا مشروع المسيرة القرآنية وتقدمت به المسيرة وسوف تنتصر به بإذن الله.
والوعي والتفكير بوعي هو الوسيلة الوحيدة لإبطال قنابل التجهيل بدائية الصنع، التي زرعها في عقولنا ونفوسنا إرهابيو التلقين والتحفيظ الوهابي، ولا سبيل إلى تفكيكها والنجاة من مخاطر انفجارها في جسد حاضرنا الواعي مع هذه المسيرة العظيمة، إلا بالعيش داخل إطار العصر الذى نحياه، وليس داخل سراديب الماضي وتحت أقبية التاريخ محدودة العقل والضمير والدين، وهذه مسألة معروفة لأعتى الفقهاء والعلماء والمفكرين والسياسيين وكبار الموظفين والمسؤولين، فيجب أن يعمل الوعي في الجزء المتاح له، حتى لا نسلم عقولنا وتستسلم نفسياتنا مرة أخرى لآراء الجهلة والجهل والتجهيل.
يا سادة، إنها المرة الأولى التي تدخل فيها الشعوب المظلومة حربا في ظل وجود مواقع التواصل الاجتماعي مع غياب وتغييب وسائل الإعلام. ورغم أن هذه المواقع مرآة لما يحدث في كثير من الأوقات، بل هي القناة الوحيدة المتاحة للتنفيس حاليا في ظل سيطرة عدوك على الإعلام العالمي، إلا أنها في وقت الحرب تكون مُربكة ومقلقه للرأي العام إلى أقصى حد، خاصة في ظل غياب وتغييب وإغلاق كافة المصادر الموثوقة والمتعددة للمعلومات، مما يؤدي لزيادة البلبلة والارتباك والخوف والجهل، وتحول هذه المواقع لساحات حرب افتراضية، تزيد الأمر التباسا على كل الكتاب والصحفيين وقادة الرأي الذين لا يجدون موجها أو توجيها يقودهم ويحتويهم بالمعلومة والمصداقية والثقة، وهذا ينتج عنه تضليل خطير جدا للقيادة وللجيش وللأمن وللمجتمع.
إن مواقع التواصل وللمرة الأولى في التاريخ جعلت علاقة الكاتب بالقارئ مباشرة ولحْظية. كان الطبيعي أن يكتب الكاتب وبعد دورة ربما تستغرق سنوات يصل ما كتبه إلى قارئه، لكن مع ثورة الاتصالات واختراع مواقع التواصل الاجتماعي، أصبح الكاتب فور انتهائه من كتابة نصه متاحا للقارئ، وفي بعض الأحيان أصبح النص يصل إلى القارئ قبل انتهائه في حال قسمه الكاتب إلى أجزاء، وهذا -في وجه ما- قلص سلطة الكاتب على ما يكتب، لأن القارئ يدخل في حالة حوار مفتوح مع الكاتب، ربما يؤدي في بعض الحالات إلى تغيير بعض وجهات نظر الكاتب، وربما يؤدي لتغيير وجهة النص المكتوب تماما.
مواقع التواصل أدخلتنا بدايات عصر جديد، ربما نرصد ملامح بدايته، لكن لا يمكننا التنبؤ بما سيؤول إليه العصر بتمامه، وعلاقة الكاتب بالقارئ على وجه الخصوص، فلربما وصلنا لحالة تشارك ما بين الطرفين في فعل الكتابة. وقد يرى البعض أن القارئ حين يصبح شريكا في العملية الكتابية يتحول من كونه قارئا ليصبح كاتبا مشاركا، إلا أن الشراكة قد تكون فكرية أكثر منها كتابية، وهنا تأتي أهمية الوعي ونشر الوعي، لأن العديد من القراء قد لا يجيدون فعل الكتابة، وإن أجادوا فعل التفكير والتفكير المشترك.
التواصل المباشر مع القارئ اليوم هو سيد الموقف، بكل ما يترتب على ذلك من مجاملة وخشية الإفصاح عن الرأي في إنتاج الآخر بصراحة، فمرّت عبر هذه الأجواء أحكام لا تمت للواقع بصلة، فهذا إله القصة، وهذه إلهة الشعر، وعلى مرمى حجر تجد رب التنوير والوعي جالسا القرفصاء يفكر... مواقع التواصل قربتنا للدرجة التي جعلت المجاملات فوق المعرفة، والتغاضي فوق الحياد، فعسى أن نفهم قريبا أن النقد لا يستوجب الخصومة الشخصية، وأن الخلط بين الشخصي والمعرفي يجعلنا رهائن الوهم.
نصيحتي أنه وبدلا من الصراخ الدائم حول الآثار السلبية التي يتسبب بها رواد وناشطو مواقع التواصل، علينا أن نضع هذه المواقع في سياق تطور الوعي الإنساني، فقد سبقتها اكتشافات واختراعات غيرت تاريخ البشرية، وكان لها آثارها السلبية، وما يحدث الآن في الوعي البشري والسيطرة عليه والتحكم به بواسطة هذه المواقع، هو الثورة المضادة بالمعنى الكامل للكلمة لتجهيل وعي تحرر واستقلال الشعوب والأمم. وككل ثورة واعية نحن أبناء اليمن على وجه الخصوص أحوج إلى هذه المواقع من غيرنا، لأنها نافذتنا الوحيدة لمحاولة نشر وعي مقاتلنا اليمني بهدى الله وثباته وبطولاته وتضحياته وانتصاراته المرتبطة بتعليمات وأوامر ونواهي كتاب الله، ومعرفة القيم والأخلاق التي منحت شعبنا اليمني كل هذا الصبر والصمود والتحدي لمواجهة العدوان بعزة وكرامة وحرية واستقلال، وتنفيذ مشروع تنتهج مسيرته القرآنية وبهويتها الإيمانية الجامعة الوعي من هدى الله، وتستقي قيمها وأخلاقها من كتاب الله.
يا سادة، الإنسان تستعبده العادة، وقصر أنظار البعض عن رؤية الصورة في شموليتها، حين يسيئون الظن بكل الصحفيين وبكل الكتاب وبكل المفسبكين (طبعا ليس كل سوء الظن مذموما)؛ لكن سأعتبر كل الدعاوي التي منها الغث والسمين في سلة التضليل والكذب والنظرة الدونية لكل صحفي وكل كاتب وكل مفسبك، ومساواة منشورات النكت السامجة بمنشورات الوعي، وخاصة حين تصدر عن أشخاص رسميين أو من لهم علاقات مباشرة بالسلطة، إنها مجرد محاولات للصد عن سبيل الله بإغلاق النافذة الوحيدة لنشر الوعي بهدى الله، وتعريف الناس بقيم كتاب الله، ودعم ومساندة مشروع سنن الله، بل والذهاب إلى تجزئة المعركة ومنع مجتمعات وشعوب الأمة والعالم من رؤية ما يحدث داخل جدران البيت العتيق للهوية الإيمانية اليمنية.

أترك تعليقاً

التعليقات