فهد شاكر أبو راس

فهد شاكر أبوراس / لا ميديا -
ما جرى في الرياض من اجتماع لرؤساء أركان السعودية وباكستان وتركيا ليس حدثاً عابراً ولا مجرد استكمال لبروتوكولات تحالف عسكري يُعاد ترتيبه على ورق الاتفاقيات، بل هو في جوهره اعتراف ضمني بأن معادلات القوة في الإقليم لم تعد كما كانت قبل أن تفرض صنعاء إرادتها على البحر وأمام أعين العالم، فحين يجتمع ثلاثة رؤساء أركان لبحث تفعيل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" في وقت تتسع فيه دائرة الاستهداف اليمني للملاحة والسفن النفطية ومراكز القرار، فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس ماذا قرروا، بل لماذا تأخروا، ولماذا يتحدثون عن الانتشار العسكري ثم ينفون أن يكون جزءاً من جدول الأعمال.
هذا التناقض ليس تفصيلاً إعلامياً عابراً، بل هو تعبير عن مأزق استراتيجي حقيقي، فباكستان التي تمتلك ثقلاً عسكرياً ونووياً لا تريد أن تُجر إلى حرب يمنية أثبتت أنها ليست حرباً سهلة ولا قصيرة، وتركيا التي راهنت على نفوذ إقليمي متوازن لا ترغب في حرق أوراقها في جبهة لا تملك فيها لا جغرافيا ولا حلفاء محليين، والسعودية التي تقود التحالف وتتحمل كلفته الأمنية والاقتصادية تدرك أكثر من أي وقت مضى أن التحالفات مهما تعددت أطرافها لا تصنع شرعية ولا تعوض غياب القدرة على الحسم.
وهنا تظهر عبقرية الموقف اليمني الذي لم ينتظر نتائج الاجتماع ليرد، بل رد قبل أن تتضح ملامحه، لأن صنعاء تعرف أن لغة التحذير الجاد هي وحدها ما يفهمه من راهن على الحصار والتصعيد، فوزير الدفاع ورئيس هيئة الأركان لم يتحدثا بلهجة سياسية مرنة، بل أعلنا أن التحالفات لن تحمي من يتخندق مع الأعداء، وأن الأسلحة الرادعة ستصل إلى أهدافها مهما حاول الآخرون اعتراضها، وهذا ليس تهديداً بقدر ما هو توصيف لمعادلة قائمة، فمن يملك القدرة على ضرب العمق السعودي بالصواريخ والطائرات المسيرة، ويملك السيطرة الميدانية على باب المندب والجزر المحيطة به، لا يمكن أن يُخاطب بلغة الوعظ أو الانتظار، بل بلغة الأمر الواقع، والبحر هنا ليس مجرد ساحة رد عسكري محدود، بل هو عنوان استراتيجي شامل، لأنه يمس الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والتجارة الدولية، ولأن من يتحكم في باب المندب يتحكم في إيقاع العبور والتحالف والتطبيع، وقد أثبتت صنعاء أنها قادرة على إدارة هذا الملف بدقة، فهي لم تغلق المضيق بالكامل لأنها تريد إبقاء مساحة للمناورة السياسية، لكنها فرضت حظراً فعلياً على الملاحة السعودية، وأجبرت سفناً عدة على تغيير مساراتها، ورفعت كلفة التأمين على الشحن، وخلقت حالة من عدم اليقين في الأسواق العالمية، وهذا كله يجعل من البحر ورقة ضغط لا تقل خطورة عن الصواريخ، بل ربما تسبقها في التأثير لأنها تضرب في العمق الاقتصادي قبل العسكري، والتحالفات التي يجري الحديث عنها اليوم لا تملك حلولاً سحرية لهذه المعضلة.
إن القواعد العسكرية لا تستطيع حماية سفينة تجارية في عرض البحر إذا كانت صنعاء قررت استهدافها، والمنظومات الدفاعية لا تستطيع تغطية كل نقطة في بحر يبلغ عرضه مئات الأميال، والانتشار البحري الدولي نفسه أثبت محدوديته لأنه لا يستطيع البقاء إلى الأبد ولا تحمل كلفة مواجهة مفتوحة مع قوة يمنية تقاتل على أرضها، وهنا تكمن المفارقة الكبرى، وهي أن الرياض وحلفاءها يحاولون بناء تحالف دفاعي متعدد الأطراف لمواجهة تهديد يمني، لكن هذا التحالف يعكس في حقيقته حالة ضعف لا قوة، لأنه يأتي بعد سنوات من الحرب والحصار دون تحقيق أهدافها، ويأتي في وقت تتقدم فيه صنعاء من موقع الدفاع إلى موقع الردع، ومن ردع محدود إلى ردع استراتيجي يهدد المصالح الحيوية.
الرسالة اليمنية التي تقول إن التحالفات لن تحمي من يتخندق مع الأعداء هي رسالة موجهة إلى الداخل اليمني أولاً، لتثبيت الجبهة الداخلية، وإلى الإقليم ثانياً، لتوضيح أن زمن المراهنة على تغيير المعادلة بالقوة انتهى، وإلى العالم ثالثاً، لتذكيره بأن أمن البحر الأحمر لا يمكن أن يكون بمعزل عن أمن اليمن وسيادته.
ومن هنا فإن أي حديث عن سلام أو تسوية يجب أن يبدأ من الاعتراف بهذه المعادلة الجديدة، لا من محاولة كسرها، لأن من يملك الأرض والبحر والصاروخ والإرادة لا يمكن أن يُهزم بالتحالفات، وما لم تتوقف الرياض عن الرهان على خيارات عسكرية ثبت فشلها، وما لم تدرك أن باب المندب أصبح ساحة ردع يمنية بامتياز، فإنها ستجد نفسها أمام خيارين لا ثالث لهما: إما سلام مشروط باحترام السيادة اليمنية ورفع الحصار ودفع التعويضات والخروج من الأراضي اليمنية المحتلة، وإما تصعيد مفتوح ستكون كلفته أكبر من أي مكسب وهمي، وفي الحالتين يبقى البحر هو العنوان، وتبقى صنعاء هي من يكتب فصول المعادلة القادمة، لا من يقرأها على عجل في بيانات الاجتماعات.

أترك تعليقاً

التعليقات