حتى لا تُـكتب علينا الذلة والمسكنة
 

عبدالفتاح حيدرة

عبدالفتاح حيدرة / لا ميديا -

الوجود الصهيوني في المنطقة ليس وليد اللحظة حتى نصاب بالدهشة من تصرفات عملائه وأدواته ابتداء من الأفراد وحتى الرؤساء والأمراء والملوك والشعوب والدول والحكومات والمنظمات والأحزاب... فلعبة الوجود الصهيوني ليست مسألة نفوذ قوة عسكرية أو اقتصادية، بقدر ما هي لعبة وجود، وتحدٍّ شيطاني لإلغاء حكم الله على اليهود الذين عصوه واتبعوا خطوات الشيطان، بأن ضرب الله عليهم الذلة والمسكنة، وهكذا يفترض أن تكون عيشة الوجود اليهودي وحياة الصهيوني ومن يتبع خطواته في كل زمان ومكان.
لكن مكر الشيطان البريطاني استخدم عملية تراكمية لقبول إثبات الوجود الصهيوني واليهودي في المنطقة، ولم يخرج استعماره إلا بعد أن صاغ بنود اتفاقية "سايكس- بيكو"، التي أنتجت دولاً وشعوباً لقيطة على التاريخ والجغرافيا، وأورثها من بعده للشيطان الأمريكي الذي كان فعلاً "شيطان شاطر"، فدخل المنطقة ضاربا الذلة والمسكنة على دول وشعوب التاريخ والجغرافيا في المنطقة، مستخدما هيبته الاستبدادية في إبادة الهنود الحمر وديمقراطية قتله للشعب الفيتنامي، منتجا بذلك مفهومه الوحيد لتقييم هيبة وقوة الأنظمة السياسية، وهو أن التقييم لأي نظام سياسي لا يكون إلا بواسطة الديمقراطية (الاستبدادية) الأمريكية، وإلغاء كافة الحقائق الدينية والأبعاد الاجتماعية والسياقات التاريخية.
أما الحقيقة الأولى فهي أن المشروعية التاريخية هى أساس المشروعية السياسية، فالإطار الشكلي للمشروعية السياسية أقل أهمية بكثير مما يبدو عليه، حتى ولو افترضنا أنه مؤثر جديا على السياسات (الاستراتيجية) في أي مكان في العالم أصلاً. والحقيقة الثانية، وهي الأخطر، أن فروق الديمقراطية الاستبدادية الأمريكية في معظمها مجرد فروق في قدرات الأنظمة السياسية على هيمنتها المؤسسية (القوية) التي تزيد من هيبة أمريكا العسكرية على كافة الأنظمة في المنطقة، وهيمنتها الرقابية (الضعيفة) التي تمنح أموال وثروات دول وشعوب تلك الأنظمة لزيادة القوة الاقتصادية الأمريكية.
هذا التقييم، الذي أصبح تقييم عوام شعوب المنطقة، قيد حركة الوعي ومسخ القيم وألغى المشروع، حتى أصبح التقييم لأي سياسي يتخذ نمط الديمقراطية الأمريكية أو الرئيس والملك الذي يحكم بنمط الاستبداد الأمريكي، فإما طيب وابن حلال وإما العكس. أما تقييم الأنظمة السياسية عند النخب الحداثية فهو الكارثة الأكبر، وخاصة النخب المهووسة بالديمقراطية الأمريكية، إذ لا يوجد فرق كثير بينه وبين تقييم المراهقين لأي فنان، فبينما يعترف لك بكل ثقة بحقيقة أن صوت هذا الفنان ليس جميلاً إلّا أنه يؤكد لك أنه فنان حليوة وقصة شعره رهيبة!
باختصار، لا يوجد اليوم أنظمة وشعوب طيبة وأنظمة وشعوب شريرة، بل يوجد أنظمة وشعوب واعية بقوتها ومكانتها وتاريخها وقيمها ومشروعها، وأنظمة وشعوب جاهلة كل ذلك، وفوق الجهل أيضاً تتخذ من الديمقراطية الاستبدادية الأمريكية معيارا لتقييم الأداء والموقف السياسي، وأي نظام حكم يتخذ اليوم من الديمقراطية الاستبدادية الأمريكية نموذجا له أو يتقارب معه، فهو نظام حكم جاهل، مهمته الوحيدة هي تطوير وبناء أقليات و(شلل) حكم شيطانية تعطي لليهود والصهاينة الهيبة والقوة وتكتب على مواطنيها وشعوبها الذلة والمسكنة.

أترك تعليقاً

التعليقات