عبد الحافظ معجب

عبدالحافـظ معجب / لا ميديا -
تضعنا البيانات الأمنية الأخيرة الصادرة في صنعاء أمام مشهد استخباري معقد، يتجاوز في أبعاده مجرد ضبط خلايا تجسسية تقليدية، ليصل إلى حدود معركة كسر إرادات بين العقل الأمني اليمني المتوقد وبين أعتى منظومات التكنولوجيا الصهيونية المتمثلة في جهاز "أمان" و"الموساد" و"الوحدة 8200".
حين نغوص في دهاليز العمل الاستخباري ندرك يقيناً أن المعركة الحقيقية تدور خلف جدران الغرف المظلمة، حيث تُحاك المؤامرات بعيداً عن ضجيج الجبهات المشتعلة، هناك في عمق "تل أبيب" توهم قادة الاستخبارات العسكرية المعادية قدرتهم على اختراق جغرافيا السيادة الوطنية عبر التفوق التقني، لكن الواقع الميداني أثبت أن الإرادة الوطنية والخبرة المتراكمة لأكثر من عقد من المواجهة والصمود لدى رجال الأمن في صنعاء، استطاعت فك تشفير أعقد العمليات التي تديرها أجهزة عالمية تمتلك إمكانيات مادية هائلة، مرحلة مفصلية من الصراع انتقل فيها العقل الأمني الوطني من وضعية صد الهجمات إلى وضعية الاشتباك الاستخباري الفعال والمبادرة بالهجوم، محطماً أساطير عقود من الهيمنة الاستخباراتية التي كانت تتعامل مع المجتمعات العربية باعتبارها ساحات مفتوحة ومستباحة.
لقد تكشفت خلال السنوات الماضية طرق عمل المخابرات الأمريكية والبريطانية وتنسيقها الوثيق مع أدواتها الإقليمية، غير أن ما جرى رصده مؤخراً من اختراقات صهيونية مباشرة يمثل تصعيداً خطيراً في أساليب التجنيد عن بُعد، العدو الذي عجز عن تركيع الشعب اليمني عبر قصف الطائرات والبوارج، حاول مؤخراً التسلل عبر شاشات الهواتف المحمولة وأجهزة الحاسوب، مستغلاً الفضاء الرقمي المفتوح لزرع ألغام بشرية تتحرك وسط المجتمع، وتفكيك خلايا تعمل مباشرة لصالح العدو الصهيوني يمثل شهادة وفاة لمشاريع استخباراتية استنزفت ميزانيات ضخمة وسنوات طويلة من التدريب والتخطيط في مراكز ومقرات ومكاتب الموساد داخل الكيان وخارجه، لتثبت العقيدة الأمنية لرجال الأمن والمخابرات تفوقها بمراحل على الخوارزميات التقنية الباردة التي يستخدمها العدو.
عندما نتأمل في آليات التجنيد التي كشفتها الأجهزة الأمنية في البيان التوضيحي الأخير، نجد أننا أمام مرحلة جديدة تجاوزت الأنماط التقليدية للبحث عن الخونة في المقاهي أو الفنادق المظلمة، لقد وصل العدو إلى مستوى احترافي في اصطياد الضحايا عبر إعلانات وظائف وهمية مغرية أو استبيانات اقتصادية واجتماعية تظهر في ثوب البراءة، بينما هي في الحقيقة خيوط معلوماتية مبعثرة تكتمل بها صورة الأهداف العسكرية والاقتصادية والسياسية في غرف عمليات العدو، ويمثل هذا النوع من الاستخبارات مفتوحة المصدر، التحدي الأكبر للدول الحديثة في عصر المعلومات ومع ذلك استطاعت اليقظة الأمنية الوطنية أن تسبق العدو بخطوات شاسعة ووضعت يدها على خيوط المؤامرة قبل وصولها إلى مرحلة التنفيذ الكارثي، الإنجاز الأمني في كشف هذه الأساليب يمثل مضاداً حيوياً شاملاً يرفع مناعة المجتمع ويخلق حالة من التحصين الذاتي ضد أي محاولات اختراق مستقبلية قد تتخذ أشكالاً أكثر تعقيداً.
تستهدف المخابرات الصهيونية عبر هذه التحركات ضرب جبهة الإسناد وزعزعة وحدة الساحات، محاولةً بكل ثقلها إشغال الجبهة الداخلية بشبكات أمنية وتفجيرات واغتيالات تهدف لثني صنعاء عن موقفها التاريخي والاستراتيجي المساند لفلسطين ومحور المقاومة، يدرك الصهاينة جيداً أن الدور الإقليمي لليمن في الصراع الراهن بات يهدد وجودهم الفعلي، لذا جندوا كل طاقاتهم وخبراتهم لاستهداف البنية الاقتصادية والقيادات الوطنية المؤثرة، القارئ المتفحص لمضامين البيانات الأمنية يلمس بوضوح وقوع العدو في فخ الغرور التكنولوجي، حين ظن أن برامج التواصل المشفرة ستحمي عناصره من ملاحقة العيون الساهرة، والحقيقة التي تدعو للفخر أن الأمن والمخابرات استطاع تطويع التكنولوجيا ذاتها لإيقاع المرتزقة في شر أعمالهم، بعد أن حول الإحداثيات التي جمعها الخونة إلى أدلة إدانة دامغة تصفع وجوه المشغلين القابعين في "تل أبيب" ولندن وواشنطن.
استخدم العدو غطاء المنظمات الدولية والعمل الصحفي والمساعدات الإنسانية كستار قذر للاستدراج، وهو ما يعكس إفلاس الخيارات العسكرية المباشرة لديه، المتعمق في كواليس النشاط الاستخباري المعادي يدرك أننا نواجه منظومة أخطبوطية تتوزع أدوارها بين مراكز القوى العالمية وصولاً إلى عواصم عربية معروفة بعدائها لليمن، هذه الأجهزة التي تمرست عقوداً على إسقاط الأنظمة وتفتيت النسيج الاجتماعي للدول وجدت نفسها في اليمن أمام واقع آخر لم تعهده في تجاربها السابقة، كما أن لجوء "الموساد" لاستخدام وسطاء عرب أو شركات أمنية تعمل تحت مسميات تجارية وهمية، ما هو الا انعكاس لحالة الخوف والرعب من المواجهة المباشرة مع اليمني الذي يمتلك وعياً بالفطرة بمخاطر الحرب الناعمة، ظن العدو أن الإسقاط الأخلاقي هو المدخل الأسهل للتجنيد ولم يعلم أن الوعي الأمني لدينا أصبح جزءاً أصيلاً من الثقافة المجتمعية والسلوك اليومي الذي يتجاوز حدود العمل المؤسسي الرسمي ليصل إلى كل بيت وحارة.
علمتنا التجارب الميدانية أن العدو حين يعجز عن الاختراق العسكري المباشر، يلجأ فوراً إلى النشاط الاستخباري المتخفي عبر عمليات جمع البيانات الضخمة بواسطة التطبيقات والألعاب ذات المظهر البريء، ما كشفته الأجهزة الأمنية حول الاستبيانات والمسوحات الميدانية يعد من أخطر أنواع التجسس الحديث؛ إذ يسعى العدو من خلالها لرسم خارطة دقيقة للحالة النفسية والتموينية والخدمية للمجتمع، بحثاً عن أي ثغرة اجتماعية ينفذ منها لإثارة سخط شعبي أو توجيه ضربات اقتصادية موجعة تزيد من معاناة المواطنين في ظل الحصار الخانق، غير أن القدرة الفائقة لرجال الأمن على فك شفرة هذه المسوحات وتحذير المجتمع منها، قطعت الطريق تماماً على المختبرات النفسية في "الوحدة 8200"، التي تقضي ساعات طوال في تحليل كل شاردة وواردة تظهر في الفضاء الرقمي اليمني.
التنسيق بين هذه الأجهزة الصهيونية يبلغ أعلى مستوياته عند استهداف الجغرافيا اليمنية، ومع ذلك سقطت هيبتهم المزعومة تحت أقدام المؤمنين الصادقين، هذا الإنجاز لا يحمي الداخل فقط، بل يعيد صياغة قواعد الاشتباك الاستخباري في المنطقة بأكملها، مؤكداً أن لصنعاء اليد الطولى والقدرة الكافية لحماية جبهتها وتأمين مسارها الاستراتيجي الكبير، أصبح كل مواطن غيور يمثل وحدة أمنية بحد ذاته، يراقب ويبلغ ويحذر من أي نشاط مشبوه في منطقته ومحيطه الواقعي والافتراضي المتمثل بمصائد الإنترنت الناعمة المتلونة، وهنا يكمن السر الحقيقي وراء فشل مخططات كبرى أنفقت عليها دول ميزانيات خرافية دون جدوى.
نحن أمام مشهد تاريخي تتجلى فيه الرعاية الإلهية لهذه الأمة الصامدة، فبينما تغرق دول كبرى في دوامة التجسس الرقمي والاختراقات السيادية، يقدم اليمني نموذجاً أمنياً فريداً يمزج بين قوة الانتماء والخبرة الفنية العالية والتعاون المجتمعي الوثيق، وما خفي من إنجازات المجاهدين في جبهة الأمن والمخابرات يظل أعظم وأكبر بكثير مما يُعلن عنه لضرورات العمل، لهم منا جميعاً خالص التحية والامتنان على جهودهم الجبارة التي جعلت من بلادنا قلعة منيعة تأبى الانكسار أمام أيادي الغدر والخيانة مهما تطورت وسائلها وتعددت أقنعتها.
إن صمودنا الأمني يمثل الضمانة الأكيدة لاستمرار صمودنا العسكري والسياسي، وبناء مستقبل تسوده السيادة الكاملة والحرية والكرامة فوق كل شبر من أرضنا الطاهرة، وتظل المسؤولية ملقاة على عاتق الجميع لاستكمال مسار التطهير لكل بؤر العمالة والارتزاق حتى تأمين اليمن بشكل كامل من دنس الصهيونية وأدواتها الرخيصة التي لازالت تتخفى بين صفوفنا وفي أوساطنا، والحفاظ على رصيد الإنجازات الوطنية يستوجب أن نقف صفاً واحداً خلف المؤسسة الأمنية التي أثبتت أنها درعنا الحصين في أصعب المنعطفات التاريخية.

أترك تعليقاً

التعليقات