الصرخة الموجعة
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا -
إن الصرخة التي أطلقتها ثورة 21 من أيلول مازالت في قوتها وعنفوانها ضد الفساد والظلم والمحسوبية والتسيب، ضد الذئاب التي مازالت تحوم حولنا في الداخل لتشعل النار على ضفاف القلب لتحرق مكتسبات وإنجازات ثورة أيلول الخالدة ولتغرس في جسد الوطن المذبوح الحقد والفساد، ذئاب لا ترحم طفلاً أو امرأة أو شيخاً، فالكل مستهدف بالموت جوعاً، فمن أجل مصالح الممسوخين المتسمين بالخواء الفكري والعقائدي والثوري والوطني تهون كل الدماء!
ثورة تقف بانحياز تام إلى جانب المستضعفين، وتؤمن بفكرة وطن غير ملتبس، وغير فئوي، وخالٍ من الفساد، وطن ليست مشروطة هويته بمصالح أية فئة، مهما بلغ حجمها وضجيجها وتعصبها، ثورة ترفض الانضمام إلى القوى المصعدة بالرعب والخوف والفساد والتواطؤ والتخاذل والشراكة مع الفاسدين.
ثورة تؤسس لتطور اقتصادي وقاعدة اجتماعية لا ترتج في أعماقها وتحتك داخلها كتل من تناقضات زلزالية، فالقاعدة والثورة الصلبة تحتاجان إلى حفر يمد عمقه في تربة ليست صلصالية أو رخوة، تربة تحتمل البناء مهما كان حجمه ووزنه، فالتطور نحو الأفضل لا تحدثه المغامرات والهوشلية والصبر بلا حدود على الفساد والتسيب والعشوائية والمحسوبية، فعندئذ تكف الثورة عن أن تكون تراكماً وتغيراً، وتصبح حركة يتدفق منها ومن خلالها الطوفان والشعارات الاستعراضية، وتفقد أساسها وقاعدتها الجماهيرية وتهتز وتذوب لتسير في مجرى الطوفان دون أن تنتهي إلى مصب، وتغيب الثورة التي تعكس صرخات وأوجاع المستضعفين، صرخات ظلت مكتومة في أعماق الكادحين الذين أرادوا ومازالوا يريدون أن تكون ثورتهم متكافئة مع حقيقتها التاريخية والوطنية والقومية والإنسانية، وتصغي إلى تراكم التحولات الشعبية ونضجها الثوري العميق.
الزمن هو زمن التحولات الثورية نحو الأفضل، زمن المتغيرات، تغيير وسحق البناء الفوقي السابق والفاسد، وأيضاً تغيير البناء التحتي لمصلحة القوى المستضعفة. ولكنه قبل هذا وذاك هو زمن القطيعة مع المحاولات الجارية للالتفاف والتدجين.
إن قنوات الماضي والحاضر تمر الآن في وديان مستقبلنا وتختبئ في خنادق لن يطالها أي قصف سوى قصف القطيعة مع مجراها. فصراع الإرادات مازال خطه مستمراً. وفي خضم هذا الإعصار نستطيع أن نفهم معنى ودور الإرادات في الرفض، رفض الفساد والمحسوبية والهوشلية والهدنة الزائفة، وأيضاً من خذل كل أمل وكل رغبة في حياة متطورة خالية من الفساد. فلا يوهمنا أحد أن القضية هي قضية عدوان ظالم وحصار خانق فقط، فالقضية أيضاً هي قضية عدم تخطيط وبرمجة وأيضاً محسوبية في التعيينات، إضافة إلى القضية الأساسية القاتلة: الفساد والتآكل الداخلي.

أترك تعليقاً

التعليقات