محمد القيرعي

محمد القيرعي / لا ميديا -
كانت القائدة الشيوعية الملهمة البولونية الأصل والألمانية الجنسية، ومؤسسة عصبة سبارتاكوس العمالية في ألمانيا أواخر العقد الثاني من القرن العشرين "الشهيدة" روزا لوكسمبورغ ملمة بعمق بحاجات الإنسانية الملحة والضرورية للانعتاق من براثن العبودية والاستغلال الانتهازي للقوى الكمبرادورية والرأسمالية، وبما أنها تنحدر من جذور يهودية ومن أسرة متدينة تحديدا، فقد سئلت يوما عن موقفها من القضية القومية لليهود، وعن أهمية انخراطها الفكري والسياسي والحركي الفعال لتسييس "آلام اليهود" الخاصّة، وبما يسهم بانتزاع الاعتراف الكلي والأهم باستقلالية وشرعية معاركهم الدينية والطائفية ضدّ البطريركية أو ضدّ عدوان أمّة على أمّة، لكنها أوضحت في ردها أنها لا تعترف إلّا بنضال أممي ماركسي النزعة والتوجه وبما يخدم مصالح البشرية المكدودة والمعذبة جمعاء أينما وجدت، وليس مصالح فئة عرقية أو طبقية أو دينية بعينها، قائلة بالحرف الواحد "يجب أن نكون واضحين جدا في هذا الصدد. يجب أن نعلن صراحة معارضتنا للتقاطعية وجميع الأشكال الأخرى لـ(سياسات الهوية)، والتي تمثل بوضوح اتجاها مضادا للثورة، إذ يجب وينبغي علينا كماركسيين أن نناضل في هذه الحالة من أجل حتى أصغر الإصلاحات التي يمكن أن تحسن مستويات عيش العمال والإنسانية المسحوقة جراء ظلم ومساوئ الرأسمالية المتوحشة".
وعموما، كلما جال في خاطري هذا الموقف الثوري والأممي الأصيل لـ"الشهيدة" لوكسمبورغ.. أراه متجسدا في شخوص ومواقف ثلة (وهم قلة بطبيعة الحال) من عظماء ثورة أيلول 2014 في بلادنا، الأحياء منهم والأموات الذين منحوا، ومن خلال عطائهم وتضحياتهم، الثورة طابعها الوطني والإنساني الأعم، خارج إطار التفكير السلالي والمذهبي الاستحواذي ضيق الأفق الذي انتهجه العديد من المتنمرين و"أثوار الثورة" من المتربعين في أعلى الهرم الأمني والسياسي والسلطوي لثورة أيلول 2014.
ثلة من عظماء أيلول الذين أدركوا بعمق، وفي مرحلة مبكرة من عمرها كعملية ثورية وطنية، أن أية محاولة لمنحها الطابع الأبوي والسلالي والمذهبي ستؤدي إلى غرقها في دوامة غير محمودة من الصراعات الأهلية الداخلية، ومن ثم انهيارها وفقدان حضورها وشرعيتها على الصعيدين الجماهيري والوطني، يأتي على رأس هذه الثلة القائد الأعلى المفدى للثورة سماحة السيد عبدالملك بدر الدين الحوثي، الذي عرفته بشكل شخصي ووثيق كقائد سياسي ووطني وديني وحركي بسيطا ومتواضعا ودمث الأخلاق ومتسامحا ورحب الصدر وواسع الرؤى الوطنية والثورية إلى حد تخاله ومن أول لقاء يجمعك به وكأنه أحد زملاء صفك الدراسي أو رفيق طفولتك وليس قائدا ثوريا محنكا ومتبصرا حاز بجدارة على مكانته الوطنية والقومية الوقورة والمستحقة في ذاكرة التاريخ الشعبي والوطني والقومي، بصورة لا يمكن لأحد منازعته عليها الآن ومستقبلا.
قائدا بات يشكل من خلال عظمة أفكاره ورؤاه الثورية الهاجس الأكبر لأعداء البلاد والأمة المنضوين في دهاليز التحالف الصهيو-أمريكي-عربي الرجعي، يليه بطبيعة الحال من حيث اعتناق الصفات الثورية المنزهة كل من الرئيس الشهيد صالح الصماد والقائد الحركي الشهيد طه المداني واللذان جسدا بالنسبة لي ومن خلال متانة الروابط الشخصية والرفاقية والكفاحية المتقدمة التي جمعتني بهما، ذات الرؤية التشخيصية للعظماء أمثالهما، التي أشار إليها الرفيق القائد المعلم فلاديمير لينين في إحدى مداخلاته المنشورة إبان احتدام المناخات الثورية التي سبقت الظفر بثورة أكتوبر الاشتراكية العظمى في روسيا عام 1917، حينما قال بما معناه "إن الرجال العظماء من خارج الحركة الاشتراكية هم أولئك الذين نلتقيهم في أوقات الشدائد والعثرات، والذين نتزود من خلال نبلهم وقيمهم الثورية المتسامية وسمو أخلاقهم، القدرة والإرادة الصلبة اللتين تمكننا من السير بثبات واقتدار في مشروعنا الثوري صوب الظفر النهائي الذي لن يتحقق إلا بالانتصار الكامل للإنسانية".
مرورا بالقائدين اللذين لا يزالان في أوج ألقهما وعطائهما الثوري والوطني والإنساني السيد أبو علي الحاكم، القائد الحركي والعسكري المحنك والمدرج على رأس قائمة المطلوبين من قبل مجلس الأمن الدولي ذي النزعة المتصهينة منذ حتى ما قبل انتصار أيلول 2014 تحديدا، بالإضافة إلى رفيقه الملهم في معمعة الكفاح الثوري والوطني الحالي القاضي أحمد أمين المساوى محافظ محافظة تعز الحالي في شقها السيادي، والذي ما لبث يقدم لنا يوميا النماذج والبراهين الدالة على نجاعة وسهولة ومثالية تغليب المصلحة الجماهيرية والوطنية العليا على المصالح الآنية والنفعية الضيقة، رغم ضخامة وضراوة الأعباء اليومية التي ينوء بها لقيادة دفة محافظة مكلومة بوضعها وواقعها المثخن بجراح المؤامرات العدوانية الدائمة والمتوالية والمتنوعة ما بين شقها الخارجي الدولي والإقليمي وبين العدوان الداخلي المسعور والمتجدد الذي تشكله طوابير المرتزقة بجيوبها ومليشياتها الارتزاقية اللامتناهية والمسعورة، وانتهاء بأمثال جندي الثورة المغوار والمجهول حقا السيد والرفيق المناضل العميد زيد علي الدرويش المنفي خارج البلاد طوعا أو قسرا لا أدري في الحقيقة، سوى أنه مل ربما وكغيره من عفن استنشاق روائح "المتحوثين" الكثر من انتهازيي الثورة ومتفيديها، والذي لا أجد هنا من عزاء أقدمه له ولأمثاله سوى تذكيرهم بواقعة مشابهة حدثت في خضم الثورة الفرنسية عام 1972، والتي لولا الثائر الفرنسي المخضرم المحامي جورج جاك دانتون لما نجحت الثورة أصلا ولما قامت الجمهورية على أنقاض نظام حكم لويس السادس عشر الملكي، وذلك قبل أن ينتهي به المطاف وبعد فترة وجيزة من قيام الثورة على رأس ضحاياها الذين أعدموا بمقصلة الثورة ذاتها وعلى أيدي انتهازيي الثورة ومتفيديها (روبسبير وشلته في الجمعية الوطنية الفرنسية الحاكمة آنذاك) على ضوء اتهامهم للب الثورة ومحركها الأساس (جورج دايتون) بالتآمر لإسقاط الجمهورية التي نشأت أصلا بفضل جهوده وتفانيه الثوري، وذلك بغية إعادة النظام الملكي حسب المرسوم التخويني، رغم أن واقعة إعدامه كان لها في الأخير مردودها الإيجابي الفوري حيث كانت بمثابة الشرارة التي أيقظت وعي الجماهير الثورية البائسة ودفعتها للقضاء على انتهازيي الثورة الذين سرعان ما وجدوا أنفسهم يقفون في طابور الانتظار ذاته أسفل المقصلة التي سبق ووقف تحتها دايتون.
وهذا هو حال أغلب الثورات التي ما إن تُعمد بأرواح الطاهرين والتواقين الحقيقيين للانعتاق من براثن الظلم والفوضى والتسلط والاستبداد حتى ينتهي بها المطاف كعملية ثورية في مواخير المتفيدين الذين ما ينفكون ينهشون في بدنها كالجرذان.

أترك تعليقاً

التعليقات