أمريكا لا ترغب بالسلام
 

د. مهيوب الحسام

د. مهيوب الحسام / لا ميديا -
ارتبطت الولايات المتحدة عبر تاريخها بجرائم التهجير والقتل والإبادة، وليس لها عهد ولا سابقة في السلام عبر الحوار أو المفاوضات، وإنما أكثر ما ترتبط به أمريكا هو ما يعبر عنه ترامب بما يسميه «فرض السلام بالقوة»، أي بقوة الحرب العدوانية، بقوة الصواريخ، وجرائم القتل والإبادة الجماعية والتطهير العرقي كما حدث لسكان أمريكا الأصليين من الهنود الحمر؛ لكنها فشلت في حروبها العدوانية على فيتنام وقبلها على الفلبين، وفي عدوانها على الصومال والعراق وأفغانستان واليمن وغيرها، فهذا هو سلوك أمريكا وسياستها الاستعمارية الاستعلائية الاستكبارية، ولن تستطيع أن تتخلى عنها بسهولة وإن وقّعت على مذكرة تفاهم أو وثيقة اتفاق.
لماذا لا تستطيع أمريكا أن تغير سلوكها الإجرامي بجرة قلم؟ بسبب السقف المرتفع جداً والمستمر من الغطرسة والغرور والاستكبار الأمريكي المتراكم على مدى عشرات السنين والمبني على ما ذكرنا من جرائم وفرض السلام بالقوة والإبادة الجماعية في الداخل ضد سكانها الأصليين وخوضها أكثر من سبعين حرباً عدوانية على شعوب العالم منذ النشأة حتى الآن وهي لا تزال تعيش وإدارتها جو الاستعلاء والاستعباد، رغم فقد الهيبة والمكانة وظهور ملامح السقوط الأمريكي، وتراجعها كقوة عسكرية واقتصادية وقبله السقوط القيمي والأخلاقي منذ زمن بعيد، وما هذا السقوط إلا نتيجة لذلك.
ولهذا، فإن الإدارة الأمريكية التي راهنت على استسلام إيران لم تصل بعد إلى مرحلة الإقرار بالتدهور وسقوط أمريكا كإمبراطورية وهو واقع بالفعل. وهذه الإدارة كالتي سبقتها تدرك ذلك وتعيشه، لكنها لا تمتلك الجرأة على الاعتراف به، وهي التي أتت تحت شعار «جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى»، والشعار بحد ذاته إقرار بالسقوط.
لهذا فإننا نغالط أنفسنا عندما نظن أنه يمكننا أن نصنع السلام مع أمريكا وكيان العدو الصهيوني أو أن أمريكا وإدارتها جادة في السلام أو راغبة في السلام، وهي التي تتحدث عن فرض السلام لا صناعة السلام القائم على العدل وعلى الحرية والاستقلال والسيادة وحفظ حقوق الشعوب ومراعاة عزتها وكرامتها.
وأخيراً، فإن توقيع أمريكا على مذكرة التفاهم بينها وبين إيران ليس رغبة منها بالسلام، وإنما أُجبرت عليه، وذهبت مُرغمة للتوقيع عليها بالشروط الإيرانية، وهو نتيجة أولية لمغامرتها وحروبها العدوانية على إيران، ونتيجة للتذمر وغضب الداخل من هذه الحرب وما فرضته من أعباء اقتصادية على المواطن الأمريكي نتيجة للتضخم الاقتصادي غير المسبوق، وتأثيره الكبير على الاقتصاد العالمي برمته.
ولذا فإن الإدارة الأمريكية التي وقعت على المذكرة، وهي ليست راضية عنها، تريد أن تحصل بالمفاوضات على ما عجزت عنه بالعدوان، وهذا هو الغباء بعينه، وتعبير عن خرف أمريكا وسقوطها.
وعليه، فإن من خسر حربه العدوانية لن يكسب بغيرها، والمضيق سيضيق أكثر على أمريكا وأدواتها، والقادم أعظم.

أترك تعليقاً

التعليقات