الصحافة والسلطة (2)
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا
 
ضمن المهام الأساسية للسلطات الرجعية العربية قمع الصحافة الحرة والمستقلة والمناهضة لتوجهاتها السياسية الكارثية، وتدمير ما تبقى في العقل العربي من قدرة على التفكير السليم والرؤية الوطنية الشاملة بهدف استكمال خنق المجتمع والصحافة المقاومة والكلمة الشريفة وتضييق الخناق عليها وزعزعة أوضاعها وجعلها تعيش خارج منظومة الاستقرار والطمأنينة اللذين يحتاجهما العمل الإبداعي الصحفي، فأصبحت الصحافة العربية بشكل عام لا تعكس إلا حالة البؤس والعجز لتلك الأنظمة العربية الهشة وسذاجتها الفكرية وهزالها الإعلامي، أنظمة تكرس الجهل والتبعية والاستبداد، ولا توجد آليات وقوانين نافذة على الجميع دون تمييز، أو أية مرجعية نقدية لقرارات وسياسة أثبتت فشلها وعادت بأفدح الكوارث على الوطن والمواطن، الحاكم وحده له حق النقد ومراجعة أي قرار، وتظل كلمة الفصل النهائية له وحده، تلك السياسات المتعمدة لتكريس حالة نفسية من الدونية لدى الشعوب والاستهانة بالذات، حالة من العبودية تجعل الشعوب تكبل نفسها بنفسها من شدة الخوف والقسوة وحواجز الذل والمهانة والاستهتار بكل القيم المقدسة والقوانين التي تحافظ على كرامة الإنسان وحريته وحقه في الحياة الكريمة والشريفة واحترام الرأي والرأي الآخر.
هذه الأنظمة المتسلطة، وبدلاً من دعم الصحافة وإعطائها حقوقها كاملة لتتمكن من تحقيق أهدافها في تنوير الرأي العام وعدم التدخل في شؤونها، عمدت إلى تحويلها إلى ذيول للسلطة التنفيذية، وتكفلت بإفسادها وملئها بالفاسدين من التابعين لها ممن يعتبرون الديمقراطية حقاً لهم فقط، وممارسة الآخرين لها خروجاً عن طاعة الحاكم وجاهلية وطاغوتاً، ذلك هو أسلوب السلطات الحاكمة في الوطن العربي في التعامل مع الصحافة والرأي الآخر، قصور مذهل وتغييب للعقول المتنورة والمؤهلة والمتمكنة، ومحاولات تدميرها وإبعادها عن دوائر الحكم وصنع القرار، ويصبح أي رأي مخالف محلاً للاستخفاف والازدراء أو الصمت في أفضل الأحوال، وكلما طال أمد بقاء الحاكم في مقعد السلطة ضاقت حلقة المستشارين والخبراء، لينتهي الأمر إلى طائفة من عتاولة الفساد والبيروقراطية المحترفين، والذين يفرضون باسم الحاكم سياسة حجب الصحف الحرة والرأي المناهض لعبث الحاكم وفساده، ويجعلون من الأحادية المفرطة للحاكم في حكمته ووطنيته وذكائه وبعد نظره مسألة مبدأ لا تهاون فيه، تغذيها في ذلك روافد ثقافة الخوف وصحافة الانصياع، وعدم الرغبة في فقد الحظوة وما تحمله معها من منافع، وتكون النتيجة ضيقاً شديداً في أفق الرؤية، وانسداداً مخيفاً في الخيال والإبداع، وتخلفاً وهشاشة وسذاجة فكرية وسياسية وثقافية وإعلامية في الصحافة وفي جميع مجالات الإبداع.
عتاولة الفساد يفتقدون الرؤية الصحيحة للأمور، ولديهم قصور في مواجهة الأزمات والتحديات، ويحاولون إخفاء الحقائق عن الرأي العام، وقمع أية محاولة للتصدي لتلك الرغبات السلطوية الفاسدة وتقييم النظام بنزاهة عقلية ورغبة جادة في تصحيح الأخطاء. تلك المحاولات سرعان ما يتم إجهاضها ودفنها ومعاقبة مرتكبيها، ولذلك يظل الفكر السياسي العربي يدور في حلقات مفرغة ينم عن جدب الفكر، وعقم الخيال، وضمور الشعور والإحساس، ونمطية التفاعل والانفعال، كل تلك الظواهر السلبية القاتلة الناتجة عن قمع الصحافة الحرة واضطهاد الرأي الآخر وتدمير الفكر المقاوم والنزاهة العقلية وإلغاء الحوار، تعود إلى طغيان الحاكم واستبداده، وتنمية الفساد المتوشح بالسلطة والإرهاب الملتحف بالدين، وإلى البداوة والتقوقع القبلي، تلك الحقائق هي جوهر المشكلة التي تعاني منها الأنظمة العربية الرجعية وإعلامها وصحفها، إنه حقاً زمن الانحطاط وصحافة صناديق القمامة وبالوعات المجاري.

أترك تعليقاً

التعليقات