مقاومة عناقيد الغضب
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا -
إن زمن تعميم الانهزامية ولّى وإلى غير رجعة، وبدأ زمن آخر غير زمن "كامب ديفيد"، زمن رسمت معالمه مقاومة شعب في لبنان، مقاومة استطاعت بإرادتها الحرة هزيمة الجيش الذي "لا يقهر"، مقاومة قوية قادرة على التصدي والهجوم والمواجهة في اللحظات التاريخية الحاسمة، مقاومة تمتلك شروط قواعد الحرب والسلام، مقاومة حولت ارتباكنا الخانع المرتعد إلى عنفوان حقيقي هادف، وإلى وعي لا تمليه علينا لغة الأساطيل، مقاومة جعلتنا نعود إلى الشعور بالذات، الذات الفردية والذات المجتمعية والذات القومية، جعلتنا ندرك أبعادنا الإنسانية الحقة، مقاومة إنسانية أممية حية ملتهبة نابضة ومن المستحيل بعد اليوم أن يستمر الخضوع والخمود والانحدار، ولم تعد مواقعنا وخريطتنا وبنيتنا وهويتنا معرضة للاختراق.
لقد وضعت المقاومة اللبنانية تجربتها وقوتها وإرادتها في قلب التاريخ بامتياز، واستطاعت في عام 1996 أن تفرض معادلة جديدة صنعتها بقوة الإرادة، رغم المجازر البشعة التي ارتكبتها "إسرائيل" في ما سمته حرب "عناقيد الغضب"، حيث صبت حقدها ومارست إجرامها بقصفها المتعمد للمدنيين العزل وأغلبهم من الأطفال والنساء في بلدة قانا، وفي مقر للأمم المتحدة حيث احتمى الأطفال والنساء والعجزة بالمجتمع الدولي دون نتيجة، ومع ذلك قصفت "إسرائيل" الموقع مع علمها وتأكدها أن هذا الموقع تحول إلى ملجأ يلوذ به أكثر من 800 من المدنيين.
مجزرة شنيعة أضيفت إلى قائمة طويلة من المجازر تفنن الاحتلال في ارتكابها وأمعن بسياسة القتل والتدمير والتهجير والقصف الشامل، وبمحاولاته الفاشلة لإجبار المقاومة على وقف عملياتها ضد جنودها فيما كان يعرف بالحزام الأمني. لم توقف المقاومة عملياتها، ولم تفقد صبرها لحظة واحدة، واكتفت بالعمل بهدوء لامتصاص الموجة العاتية، وتمكنت بقوة الإرادة وبصلابة الموقف وقوة المواجهة والرقي في الحزن والغضب، تمكنت من تفتيت الموجة وقلب اتجاهاتها وأفشلت مشاريع العدو، مما اضطره إلى الاستنجاد بالإدارة الأمريكية، الشريك والسند للعدوان، لوقف القتال، فكان "تفاهم نيسان"، وبذلك تمكنت المقاومة في لبنان من انتزاع اعتراف دولي بشرعية سلاحها ونضالها وأرست أولى معادلات الردع بحماية أهلها المدنيين، وانتهت الأسطورة "الإسرائيلية" والصورة المرسومة المضخمة للكيان بأنه القوة التي لا تقهر، وانتهت أيضاً الروح الانهزامية التي عممتها بعض الأنظمة العربية وجعلت الإنسان العربي مسكوناً وأسيراً لها بهدف صرف الشعب العربي عن تقدير مكامن القوة لديه، وبالتالي الاستسلام لأمر واقع ما كان ليكون لولا طغيان الحسابات والمصالح القُطرية على ما عداها من أولويات بالنسبة إلى المصير القومي.
لقد كشفت الانتصارات التاريخية للمقاومة الوطنية اللبنانية على قوات العدو في جنوب لبنان كم هو كرتوني جبروت الكيان الصهيوني، وكم هو الإذلال الذي يصيب قيادة وحكومة هذا الكيان واضطراره للاستنجاد الدائم بالإدارة الأمريكية.
انتصارات المقاومة في لبنان رسمت الحد الفاصل مع زمن الانهزامية والخضوع، وفتح الطريق أمام زمن الانتصارات والتصدي لكل محاولات الاحتواء والاستيعاب التي طالما مورست على الأمة العربية بهدف التمهيد لتلك التنازلات والصفقات والتطبيع.

أترك تعليقاً

التعليقات