الثقافة في غيبوبة
 

طاهر علوان

طاهر علوان الزريقي / لا ميديا -
الثقافة في حالة غيبوبة، ولا تزال تمارس منهج وثقافة الأنظمة السابقة. وإن أحد معاني أزماتنا الماضية، وأزمات حاضرنا بشكل أكثر، هو غياب الثقافة المقاومة للظلم والظلام والاستغلال والفساد، وغياب الحس الوطني والإنساني، وما يسفر عنه ذلك الغياب من تهديد يجعلنا لا نمني النفس بغير الكارثة في ظلال عبثية، تلك الغيبوبة والاستهتار بكل دلالة ثورية ومفردة تتصل بمعنى ثوري حتى الآن.
ما زالت ثقافة الأنظمة السابقة هي المسيطرة، ولا ينبغي ترك تأثيرها يأخذ مداه الزمني اللامتناهي، ليروي البعض ظمأه إلى السلطة، إن لم يكن بصورة أدق إلى تسلط جديد.
نعم، في وسعنا أن نرفض النظام الثقافي السائد برمته، أن نرفض انقطاع صلة الثقافة بواقعها الاجتماعي، وعدم قدرتها على التواصل الذي يضعف ويموت مع المثقفين الثوريين الشرفاء، فإذا بالثقافة معلقة قليلة الشأن تتلاعب بها أجهزة السياسة والإعلام، والقوى الاقتصادية الفاسدة، تشكلها بالطريقة التي تروقها، لتجعل من الثقافة جهازاً آلياً مبرمجاً يعطي دوماً الأجوبة التي تشحن بها عن الأسئلة التي يطرحها الواقع.
إن إنتاج هذا النمط من الثقافة يخلق الفرد المبرمج المغلق من كل الجهات الأربع بأشكال أنانية السلطة وإرادتها، بحيث يعطى النتائج التي تريدها السلطة، ولا يكون نقيضاً لها، بل يكون سكونياً لا حول ولا طول له، يتمحور حول السلطة.
إن الثقافة عامل رئيسي وأساسي يساعد الشعوب الفقيرة والأمم المستضعفة في اقتحام العصر رغم الظلم والحصار والفاقة التي تمسك بخناقها قوى الاستغلال والاضطهاد وكل الذين شلت عقولهم وضمائرهم وعميت أبصارهم وظنوا أن تغيير وضع الثقافة من المحال، وأن زمن التحدي والتحول قد ولّى، وأن علينا التكيف مع غيبوبة الثقافة والعبثية والتهريج وابتذال الثقافة، ومع ما تمليه علينا قوى الشر والظلم والفساد.
نعم، في وسعنا أن نرفض هذا النظام الثقافي السائد؛ لأنه لا يمثل مشروع الثورة ومبادئها، ولا رغبة وطموحات الجماهير، ولذلك وفي كل مرة يتراجع فيه الوعي الثوري أمام العبثية والانفلات الثقافي يرتسم التصدع الحقيقي في بنية النظام الثوري، وتتمكن القوى الفاسدة من السيطرة واجتثاث الأسس الحقيقية للثورة والتغيير الثقافي والتحول نحو الأفضل وإلغاء الممارسات العبثية والمزاجية المصابة بحمى العقد القاتلة لروح الثقافة.
ممارسات عبثية في ظل كوارث العدوان ومسار القصف المتواصل والدم اليومي النازف دون طائل، والمتدفق دون مسائل، والجارف دون حدود. لذلك يتوجب علينا الآن ألا نفنى في صراع كاذب ملحوظ، صراع بتنا نعرفه ويحاول عبثاً أن يلحق بوعينا وثقافتنا الإهانة.
لقد ماتت اللعبة الازدواجية البهلوانية، أو يجب أن تموت، والنظام الثقافي السائد عند نقطة الموت هذه، وأصبح بدوره محط سخرية لثقافة لم يسعها أن تولد يقيناً ما، بل هي نفسها لم تنتج سوى التجمعات الفاسدة وتآلفت مع الضعف والركاكة والضحالة والانحطاط بالتمام والكمال، وفى عتمة ظلام يمد يده إلى ظلمات.

أترك تعليقاً

التعليقات